الحكومة اليمنية لمجلس الأمن: التهديد الذي لا يُردع يتوسع والسلاح الذي لا يخضع للدولة يبحث عن هدف جديد
حجة برس – وكالات:
اكدت الحكومة اليمنية، ان تصعيد مليشيات الحوثي المدعومة من الارهابية المدعومة من النظام الايراني لم يعد شأناً يمنياً داخلياً، ولا أزمة يمكن احتواؤها داخل حدود بلادنا، وإنما تهديداً متنامياً لأمن المنطقة، وحرية الملاحة، وإمدادات الطاقة، وأحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وأشارت الحكومة الى انها تتعامل مع التطورات الأخيرة في الساحل الغربي وباب المندب بكل مسؤولية وحزم، وبثقة كاملة بقدرتها على استيعاب تداعياتها، واستعادة زمام المبادرة، وتحويل هذه التطورات إلى فرصة لتعزيز وحدة الصف الوطني، وإعادة تنظيم القدرات والإمكانات وتوجيهها نحو الهدف الجامع للشعب اليمني في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء التهديد الحوثي.
جاء ذلك في بيان الجمهورية اليمنية أمام مجلس الأمن، خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن بشأن اليمن، الذي ألقاه مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبدالله السعدي.
وقال “نؤكد لشركائنا في الإقليم والعالم أن هذه التطورات، مهما بلغت خطورتها، لن تغير مسار المعركة أو غاياتها، ولن تفرض واقعاً جديدا بقوة السلاح، بل ستزيد الحكومة والقوى الوطنية إصراراً على حماية سيادة اليمن وأمن ممراته المائية”.
واضاف ” لقد اعتقدت المليشيات من قبل أن استيلاءها على العاصمة ومؤسسات الدولة بقوة السلاح أصبح حقيقة نهائية، قبل أن يستعيد اليمنيون عدن ومدناً أخرى وأكثر من 70 بالمائة من أراضي البلاد، واليوم ستفشل هذه الجماعة الإرهابية المتطرفة مرة أخرى في تحويل أي مكسب ميداني إلى امر واقع”.
وأكد السفير السعدي، ان القوات المسلحة تعيد تنظيم صفوفها، وتستعيد زمام المبادرة، وتعمل على منع المليشيات من تحويل وجودها على الساحل إلى منصة دائمة لتهديد باب المندب والملاحة الدولية..مشيراً الى حرص القوات المسلحة على حياة المدنيين، والتزامها بقواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني، ليس عجزاً ولا تردداً بل إنه الفارق بين دولة تحمي مواطنيها، ومليشيا تزج بهم في ساحات القتال وتستخدم مناطقهم غطاءً لمشروعها التخريبي.
وجدد التأكبد ان الجمهورية اليمنية ستواصل ممارسة حقها السيادي وواجبها الدستوري في تحرير كامل أراضيها، وحماية مياهها الإقليمية وممراتها البحرية، ومنع استخدامها لتهديد اليمنيين أو جيرانهم، والسلم والأمن الدوليين.
ولفت الى ان باب المندب أرض ومياه يمنية، لكن المصالح التي يحميها تتسع لتشمل بلدان هذا الكوكب، وكل سفينة تعبر هذا المضيق، وكل شحنة طاقة، وكل سلسلة إمداد تعتمد عليه، تجعل أمنه جزءاً من الأمن الاقتصادي لدول تبعد آلاف الكيلومترات عن اليمن..مؤكداً ان اليمنيين، وهم يدافعون اليوم عن سواحلهم ومياههم وباب المندب، لا يؤدون واجباً وطنياً فحسب؛ إنهم يقفون على خط الدفاع الأول عن ممر دولي تعتمد عليه مصالح العالم بأسره.
وقال السعدي :” هنا تكمن حقيقة ينبغي ألا تغيب عن هذا المجلس: اليمن لا يطلب من العالم أن يدافع عنه؛ اليمن يدافع بالفعل عن مصلحة للعالم”
واضاف “قبل أيام قليلة، في العاشر من سبتمبر، وقفت الجمهورية اليمنية أمام هذا المجلس، ووضعت أمامكم صورة واضحة لمسار التصعيد العسكري الذي تشنه الميليشيات الحوثية الإرهابية، وحذرت من خطورة التعامل مع كل اعتداء حوثي باعتباره تهديدا مؤقتا، ثم العودة إلى سياسة الاحتواء وانتظار الاعتداء التالي، وحذرنا تحديداً من محاولة المليشيات الحوثية فرض وقائع عسكرية بالقوة في الساحل اليمني الغربي وباب المندب، وقلنا إن اليمنيين، وهم يدافعون عن أرضهم ومياههم وممراتهم البحرية، إنما يدافعون عن مصلحة دولية مشتركة. واليوم، لم نعد نحذر من الخطر؛ نحن نراه يتشكل أمام أعيننا”.
واكد السفير السعدي، إن المسألة لم تعد تتعلق بمن يسيطر على بضعة كيلومترات من الساحل، وإنما بما إذا كان المجتمع الدولي سيقبل بأن تصبح إحدى أهم بوابات التجارة والطاقة العالمية ورقة ابتزاز في يد جماعة إرهابية عابرة للحدود..مشيراً الى إن الاعتداءات الحوثية المتواصلة على المملكة العربية السعودية، واستهداف المدن والمنشآت المدنية ومصادر الطاقة، ليست أحداثاً منفصلة عن التصعيد في اليمن وباب المندب، إنها أجزاء من بنية تهديد واحدة، تستخدم الأراضي اليمنية والصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية لخدمة أجندة إقليمية تتجاوز مصالح اليمن وشعبه.
وقال “نرى في استهداف منشآت الطاقة وطرق إمداداتها محاولة لتوسيع كلفة الضغوط الواقعة على النظام الإيراني، وتحميل المنطقة والاقتصاد العالمي جزءاً منها، وتحويل الطاقة والممرات البحرية إلى أدوات ضغط، امتدادا لمعادلة التهديد والابتزاز في مضيق هرمز”.
واكد ان الجمهورية اليمنية تقف بثبات إلى جانب المملكة العربية السعودية الشقيقة وحقها الأصيل في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها ومقدراتها الوطنية وفق ميثاق الأمم المتحدة..لافتاً الى ان اليمنيون يستذكرون طويلاً الموقف الأخوي والثابت للمملكة إلى جانب دولتهم وشعبهم، ووقوفها معهم في معركة استعادة مؤسسات الدولة وحماية الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.
كما ثمن المواقف الواضحة للدول التي أدانت التصعيد الحوثي، ورفضت استهداف المملكة، وأكدت حق اليمن والسعودية في حماية أمنهما وسيادتهما، وحذرت من خطورة تهديد باب المندب والملاحة الدولية.. لكن المرحلة الجديدة تستدعي ما هو أبعد من الإدانة..منوهاً ان المطلوب اليوم بناء منظومة ردع تمنع المليشيات من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد مفتوحة للمنطقة والعالم؛ من خلال التنفيذ الفعال لحظر السلاح، ووقف شبكات التمويل والتهريب، ومنع تدفق المكونات والتكنولوجيا والخبرات العسكرية، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية وشركائها على حماية السواحل والموانئ والمياه الإقليمية والممرات البحرية.
واوضح ان الحكومة اليمنية لن تتخلى عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها وسيادة أراضيها، حيث تبلي قواتها المسلحة بلاء حسنا في ردع التهديد على طريق التحرير الكامل، وانهاء معاناة الشعب اليمني التي طال أمدها..مؤكداً ان أمن باب المندب والبحر الأحمر مسؤولية تتجاوز اليمن؛ لأن التهديد الذي ينطلق منه لا يسأل عن جنسية السفينة، ولا عن علمها، ولا عن الدولة التي ستدفع فاتورة تعطيل تجارتها أو ارتفاع أسعار طاقتها.
وذكر ان الساحل اليمني وباب المندب يقعان عند نقطة التقاء بيئة أمنية شديدة الهشاشة تمتد إلى القرن الأفريقي، حيث تنشط جماعات إرهابية وشبكات منظمة للاتجار غير المشروع وتهريب الأسلحة والمخدرات والبشر..مشيراً الى إن تمكين مليشيات مسلحة من ترسيخ وجودها على هذا الممر الاستراتيجي، في مقابل سواحل تعاني أصلاً نشاط جماعات إرهابية وشبكات تهريب، يهدد بتحويل ضفتي باب المندب إلى بيئة عمليات مترابطة للجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة.
ولفت الى ان الخطر قد يتجاوز في مخاطره الصواريخ والمسيّرات، لإنه يتعلق بتهديد المصالح العالمية، وتهريب السلاح، والمخدرات، والمقاتلين، والمكونات العسكرية، والاتجار بالبشر، وبنشوء مساحات رخوة تستطيع فيها الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة تبادل المصالح والخدمات والموارد غير المشروعة، وهنا يجب ألا ينتظر العالم حتى تتشكل هذه البيئة ثم يبدأ البحث عن كيفية تفكيكها، وان منع تشكلها اليوم أقل كلفة بكثير من مواجهتها غداً.
وقال “لقد بدأت المليشيات الحوثية بانقلاب مسلح على التوافق الوطني ومؤسسات الدولة في مثل هذا الشهر من العام 2014، ثم وجّهت صواريخها ومسيّراتها نحو دول الجوار، ثم أصبحت السفن التجارية والممرات الدولية جزءاً من دائرة تهديدها. واليوم أصبح باب المندب في قلب المعادلة ذاتها، وهكذا هي الجماعات الارهابية في كل مرة لم تجد فيها كلفة حقيقية لتصعيدها، انتقلت إلى مستوى أخطر منه”.
واضاف ” ان الاعتقاد بأن هذا التهديد سيتوقف من تلقاء نفسه عند حدود البحر الأحمر ليس سياسة واقعية، لان التهديد الذي لا يُردع يتوسع، والسلاح الذي لا يخضع للدولة يبحث عن هدف جديد، والابتزاز الذي يُكافأ اليوم سيعود غداً بشروط أعلى، ووسط هذه الحسابات الاستراتيجية والأمنية، هناك حقيقة أبسط وأشد إيلاماً:
اليمنيون هم من يدفعون الثمن أولاً قتلى وجرحى، وأسر هجرت قسرا من ديارها، وعشرات الآلاف من النازحين الذين وجد بعضهم نفسه أمام رحلة النزوح للمرة الثانية والثالثة، بعد سنوات كانوا يأملون فيها أن الحرب قد بدأت في الانحسار، لكنني لا أريد أن أحول معاناة اليمنيين أمام هذا المجلس إلى سلسلة من الأرقام.
سأكتفي بصورة واحدة: طفل اسمه محمد علي جسار، عمره أحد عشر عاماً، وكان في الصف الخامس الابتدائي”
واشار الى ان مكان محمد الطبيعي كان في مدرسته، لكن المليشيات الحوثية زجت به في حرب لم يخترها، لينتهي طفلاً في ساحة قتال يفترض ألا مكان لطفل فيها..لافتاً الى انومحمد ليس استثناءً؛ إنه واحد من عشرات الآلاف من الأطفال الذين تزج بهم المليشيات الحوثية في منظومة التجنيد والتعبئة، فيما تستقطب أعداداً هائلة من الأطفال إلى برامج ومخيمات التعبئة خلال الإجازات المدرسية، وهؤلاء ليسوا جنوداً، وهؤلاء أطفال.
والمكان الطبيعي للطفل اليمني هو أسرته ومدرسته، لا المتراس ولا المقبرة.
وبين ان مليشيا الحوثي تهدد دولة جارة اثبتت على الدوام انها اهم رافعة لأمن واستقرار المنطقة وازدهارها، وتستهدف منشآت الطاقة، وتحاول تحويل باب المندب إلى أداة ابتزاز، وتتغذى على شبكات السلاح والتهريب، وتتحرك في بيئة إقليمية يمكن أن تتقاطع فيها مصالح الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة، وفي الداخل تزج بالأطفال في حربها، وفي مقابل ذلك، هناك دولة يمنية تتحمل مسؤوليتها، وقوات مسلحة تقاتل لاستعادة أرضها ومؤسساتها، وتحمي ممراً دولياً ومصلحة عالمية.
واكد ان المعادلة ليست بين طرفين متساويين، إنها بين دولة عضو في الأمم المتحدة تسعى إلى استعادة احتكارها المشروع للسلاح وقرار الحرب والسلم، وبين جماعة مسلحة تريد تحويل السلاح والجغرافيا والممرات الدولية إلى منصة ابتزاز، ومصادر تمويل غير مشروعة.
وقال “إن اليمنيين ذاهبون الى استعادة مؤسساتهم الوطنية في كل شبر من أرضهم، لأن مستقبل اليمن لا يمكن أن يكون لدولة داخل الدولة، ولا لسلاح خارج الدولة، ولا لقرار حرب وسلام خارج مؤسساتها، ولهذا فالسؤال اليوم ليس ما إذا كان اليمنيون سيستعيدون مؤسسات دولتهم، بل ان السؤال الأهم هو: هل سيقف المجتمع الدولي معهم الآن، وهم يدافعون عن دولتهم وعن مصلحة مشتركة للعالم، أم ينتظر حتى تصبح كلفة استعادة الأمن في اليمن والبحر الأحمر وباب المندب أكبر على الجميع؟”.
واشار الى إن الخيار ليس بين الحرب والسلام، بل الخيار بين دولة تمد يدها لتكون اساساً لسلام مستدام وفق مرجعيات الحل السياسي المتفق عليها وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 2216، وبين مليشيا مسلحة تعيد إنتاج الحرب والابتزاز كلما أتيح لها الوقت والموارد.
ولفت الى ان الشعب اليمني اختار الدولة، واختار السلام الذي تحميه الدولة، وسيمضي قدما في تحقيق هذا الهدف..معرباً عن تطلعه الى أن يكون المجتمع الدولي قد اختار هو الآخر موقفه الحاسم، وأدرك أن لا طريق إلى السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة سوى إنهاء هذا العبث ومصادر تهديده، وعدم السماح للمليشيات المسلحة بفرض إرادتها على الشعوب وابتزاز العالم وممراته الحيوية.
ودعا مجلس الامن الى إدانة التصعيد الحوثي المستمر، بما في ذلك استهداف المدنيين ومخيمات النازحين والأعيان المدنية داخل اليمن، والاعتداءات على المملكة العربية السعودية، والتهديدات والهجمات المستمرة ضد السفن التجارية والملاحة الدولية؛ وتحميل المليشيات الحوثية المسؤولية عن هذا التصعيد وتداعياته الإنسانية والأمنية، وتجنب أي لغة تساوي بين الميليشيات الحوثية الإرهابية وبين الدولة التي تمارس حقها وواجبها في حماية مواطنيها وسيادتها وفقاً للقانون الدولي.
وشدد على ضرورة ضمان التنفيذ الكامل والفعال لقرارات مجلس الأمن 2140 (2014) و2216 (2015) و2722 (2024)، ووقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتمويل التي تمكن المليشيات الحوثية من مواصلة اعتداءاتها، ومساءلة الجهات التي تنتهك التدابير التي فرضها هذا المجلس، ودعم الحكومة اليمنية ومؤسساتها في بسط سلطتها وسيادتها على أراضي الجمهورية وسواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، وتعزيز قدرات القوات المسلحة والقوات البحرية وخفر السواحل وأجهزة إنفاذ القانون، بما يمكن الدولة من حماية مواطنيها ومنع تهريب الأسلحة وتأمين الممرات البحرية.
واكد على اهمية الاستجابة العاجلة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة للنازحين والمجتمعات المستضيفة، وضمان توفير الموارد اللازمة لحماية المدنيين وتلبية احتياجاتهم الأساسية؛
وقال ” نأمل أن تكون هذه الجلسة بداية لموقف دولي مختلف، يجعل من هذا العام عاماً لطي صفحة المليشيات والحروب، وفتح صفحة جديدة لليمن والمنطقة عنوانها الدولة والسلام والاستقرار”.





