كتابات

أنا ابن سبتمبر

✍️ ناجي ابوزينه:

 

قال لي قائل: أنتم تقدّسون السادس والعشرين من سبتمبر، وتتعاملون مع النظام الجمهوري وكأنه مقدّس، بينما تكرهون الإمامة وتبالغون في بغضها، مع أنها نظام سياسي من الأنظمة، فيه الصواب والخطأ!

 

ثم سأل: وماذا حققت لكم ثورة السادس والعشرين من سبتمبر؟

 

وأنا أجيب بكل وضوح:

أنا لا أكره الإمامة لمجرد أنها نظام سياسي ؛ أنا أكرهها في أصل فكرتها، وفي الأساس الذي قامت عليه، وفي الحق الذي ادعته لنفسها.

 

أكره الإمامة لأنها كذبت على الله حين جعلت الحكم حقًا إلهيًا لسلالة بعينها.

أكرهها لانها تشرعن الشرك والخرافات والاكاذيب باسم الدين.

 

أكرهها لأنها قالت لليمني:

لن تختار من يحكمك؛ لأن هناك من وُلد ـ بزعمهم ـ مستحقًا لحكمك.

 

أكرهها لأنها جعلت النسب ميزانًا للسيادة، والطبقة طريقًا للامتياز، والطاعة واجبًا دينيًا، والحاكم فوق السؤال والمحاسبة.

 

أكرهها لأنها لم تكتفِ بأن تستولي على السلطة، بل منحت استبدادها قداسة الدين.

 

أكرهها لأنها جعلت اسم الله غطاءً لسلطة البشر، واسم الرسول سندًا لسلطانهم، والدين أداةً لإخضاع الناس.

 

أكرهها لأنها أرادت من اليمني أن ينحني لإنسان، ثم تقنعه أن انحناءه عبادة وطاعة لله.

 

ليس النظام الإمامي اي فضيلةً دينيةً ، ولا عدلًا سياسيًا ، ولا كرامةً إنسانيةً.

 

بل هو مشروع قام على الاستعلاء السلالي، واحتكار السلطة، وتوظيف الدين لخدمة الحكم، وإبقاء الإنسان تحت الوصاية والاستعباد.

 

أما السادس والعشرون من سبتمبر…

فليست ورقةً في كتاب التاريخ.

سبتمبر عندي صرخة شعب!

 

صرخة اليمني حين قال:

 

كفى!

كفى أن يولد إنسان سيدًا لمجرد نسبه.

كفى أن يولد آخر تابعًا لمجرد أنه ليس من ذلك النسب.

كفى أن تكون السلطة إرثًا عائليًا.

كفى أن يُحكم اليمن باسم السماء.

كفى أن يتحول الدين إلى سوط.

كفى أن يتحول الجهل إلى نظام حكم.

كفى أن تتحول الخرافة إلى سلطة.

 

جاء سبتمبر وقال:

الله هو المعبود الحق

اليمني حر!

اليمني كريم!

اليمني مواطن!

اليمني ليس عبدًا لسلالة!

الله أكبر… من كل مستبد!

الله أكبر… من كل طاغوت!

الله أكبر… من كل من جعل نفسه فوق الناس باسم الدين!

 

لهذا أحب سبتمبر.

أحبها لأنها حطمت فكرة السيد والتابع.

أحبها لأنها رفعت رأس اليمني.

أحبها لأنها فتحت أبواب العلم بعد أن ضاقت أبواب الجهل.

أحبها لأنها جعلت المدرسة مكانًا للنهضة، والكتاب طريقًا للمعرفة، والعلم وسيلةً لبناء الإنسان.

 

أحبها لأنها قالت لليمني:

 

أنت لست أقل من أحد.

ولا يعلوك أحد بنسبه.

ولا يملك أحد رقبتك باسم الدين.

ولا يولد أحد حاكمًا عليك لأن أباه كان حاكمًا.

 

أحب سبتمبر لأنها نقلت اليمني من منطق الرعية إلى معنى المواطنة، ومن الامتياز السلالي إلى المساواة، ومن قداسة الحاكم إلى مسؤولية الحاكم أمام الشعب.

 

وأحبها لأنها في جوهرها حررت الإنسان من أن يكون عبدا لبشر، وردته إلى عبادة رب البشر.

 

سبتمبر ليست معصومة.

والجمهورية ليست دينًا.

والثوار ليسوا ملائكة.

 

لكنني لا أحتاج إلى عصمة الثورة حتى أحب معناها، ولا إلى عصمة الجمهورية حتى أرفض عودة الإمامة.

 

فالخطأ الذي يقع في عهد الجمهورية لا يجعل الاستبداد السلالي عدلًا.

 

والقصور الذي شاب تجربة الجمهورية لا يجعل القيد حرية.

 

والتعثر الذي أصاب اليمن بعد الثورة لا يجعلنا نشتاق إلى الزمن الذي ثار عليه اليمنيون.

 

أنا مع سبتمبر؛ لأنني مع التوحيد وعبادة الله وحده .

مع الجمهورية؛ لأنني مع المواطنة والحرية.

مع العلم؛ لأنني ضد الجهل.

مع الكرامة؛ لأنني ضد الاستعباد.

مع الدين الحق؛ لأنني ضد الشرك والخرافات وتوظيف الدين لاستعباد الناس.

 

وإذا سألني أحدهم مرة أخرى:

 

ماذا حققت لكم سبتمبر؟

 

أقول:

 

حققت لي أن أعبد الله وحده

 

حققت لي أن أرفع رأسي.

 

حققت لي أن أقول: أنا يمني، ولست تابعًا لسلالة.

 

حققت لي أن أؤمن بأن الحكم شأنٌ عام، وليس إرثًا عائليًا.

 

حققت لي أن أؤمن بأن الإنسان يُكرم بإيمانه وعمله وإنسانيته، لا بطبقةٍ اخترعها الكعنة لأنفسهم.

 

حققت لي أن أرى في العلم طريقًا للخلاص من الجهل.

 

حققت لي أن أقول للحاكم:

 

أنت خادم للوطن، ولست مالكًا له.

 

ولهذا، حين يأتي سبتمبر، لا أحتفل بيومٍ في التقويم فحسب؛ بل أستعيد معنىً يسكن في أعماقي:

 

معنى أن يكون اليمني حرًا.

أن يكون اليمني كريمًا.

أن يكون اليمني مواطنًا.

أن يكون اليمني مالكًا لقراره.

 

وفي السادس والعشرين من سبتمبر أقولها من أعماق قلبي:

 

يا سبتمبر… يا صرخة الأحرار!

يا كسر القيد!

يا رفع الرأس!

يا يوم اليمني حين قال: أنا حر!

 

عاشت سبتمبر!

عاشت الجمهورية!

عاشت حرية اليمن!

عاش اليمني حرًا كريمًا!

 

وليست هذه عندي مناسبةً عابرة.

 

هذه ذاكرتي، وهذا موقفي، وهذا ما أؤمن به.

 

فمن أراد أن يساوي بين التوحيد والشرك، وبين القيد والحرية، وبين السلالة والمواطنة، وبين الاستبداد والعدالة، فليبحث له عن ميزان آخر.

 

أما أنا وجميع أحرار اليمن…

 

فقد اخترنا ٢٦ سبتمبر.

 

اخترنا يومًا قال فيه اليمني:

 

لا للعبودية!

لا للاستبداد!

لا للحكم السلالي!

لا لتأليه البشر!

نعم للحرية!

نعم للكرامة!

نعم للجمهورية!

نعم لليمن!

 

الله أكبر!

عاشت سبتمبر!

عاشت الجمهورية!

عاش اليمن حرًا أبيًا!

 

وسيبقى السادس والعشرون من سبتمبر في قلبي وفي قلب كل حر ما بقي في الصدر نفس، وما بقي في اليمن قلبٌ يعرف معنى الحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى