توصيف الحالة اليمنية
المحامي/ علي المطري:
لوحظ في الآونة الأخيرة تطور إيجابي في الخطاب الوطني بشأن إعادة توصيف المشكلة اليمنية توصيفا منضبطا، وتجاوز حالة الخلط التي سادت خلال الفترة الماضية.
وقد تجلى ذلك في خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي د/ رشاد العليمي خلال مشاركته الأخيرة في مؤتمر ميونخ للأمن البحري، وكذلك في مقابلاته وتصريحاته المتعددة، وهو توجه يستحق الإشادة، ويدعو إلى إجراء مراجعة شاملة لتصويب السردية الكاملة للمشكلة وفقا لأحكام الدستور اليمني وقواعد القانون الدولي، بدلا من الاجتهادات الشخصية التي عممت خلال المرحلة السابقة وأدت إلى إرباك الرأي العام داخليا وخارجيا.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية ضبط التوصيف القانوني لجماعة الحوثي وفقا للدستور اليمني ومبادئ القانون الدولي، بما ينسجم مع السردية التي دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي المجتمع الدولي إلى اعتمادها في التعامل مع الجماعة.
فمن منظور القانون العام، يعد أي تنظيم ينشأ خارج الإطار الدستوري والقانوني للدولة، ويتخذ من السلاح وسيلة لفرض إرادته على السلطة القائمة، تنظيما متمردا، بصرف النظر عن الشعارات أو المطالب التي يرفعها. إذ إن العبرة في التكييف القانوني لا تكون بالغايات المعلنة، بل بالوسائل المستخدمة ومدى اتساقها مع النظام الدستوري القائم.
وحتى في حال بسط هذا التنظيم سيطرته الفعلية على بعض مؤسسات الدولة أو إعلانه نفسه سلطة حاكمة، فإن صفة التمرد تظل ملازمة له ما دامت هناك سلطة شرعية قائمة على جزء من الإقليم وتتمسك بالمشروعية الدستورية. فالسيطرة المادية على الإقليم لا تكسب بذاتها شرعية دستورية، ما لم تستند إلى إجراءات معترف بها دستوريا.
بينما تحتفظ الحكومة المعترف بها دستوريا ودوليا بشرعيتها المستمدة من الدستور النافذ. ويجوز لها حال فقدانها السيطرة على العاصمة أو جزء من الإقليم، أن تمارس صلاحياتها من أي جزء آخر من أراضي الدولة، وأن تسعى إلى استعادة النظام الدستوري باعتبارها ممثلة للشرعية العامة. ذلك أن سقوط العاصمة أو إخضاعها بالقوة لا يؤدي بذاته إلى سقوط الدستور أو زوال الشرعية المستمدة منه، وإلا لجاز لأي إقليم أن ينفصل بقوة الأمر الواقع، وهو ما يتعارض مع مبدأ وحدة الدولة وسيادة دستورها. ولذلك تقضي قواعد القانون الدولي بعدم الاعتراف بشرعية أي كيان يفرض سيطرته بالقوة، ما دامت الحكومة الشرعية قائمة وتتمسك بحقها في الدفاع عن النظام الدستوري.
وبتطبيق ذلك على حالة جماعة الحوثي، فإنها نشأت خارج منظومة الأحزاب والتنظيمات السياسية المرخصة، ثم لجأت إلى استخدام القوة المسلحة في مواجهة مؤسسات الدولة، وانتهت إلى فرض سيطرتها على العاصمة صنعاء. وبالتالي فإن التوصيف القانوني الذي ينطبق عليها ـ وفق هذا المنظور ـ هو توصيف التمرد لا الإنقلاب.
أما إشراك الجماعة في العملية السياسية، كما حدث في مؤتمر الحوار الوطني اليمني، فيمكن فهمه في إطار سياسات احتواء النزاع وحقن الدماء، واستيعاب الأطراف المسلحة ضمن مسار سلمي. وهذه التدابير لا تعني بالضرورة إضفاء شرعية قانونية على واقع نشأ بالقوة، بل تفهم بوصفها إجراءات انتقالية تهدف إلى إعادة دمج الفاعلين المسلحين في النظام السياسي، وهو نهج تتبعه دول عديدة عند معالجة نزاعات داخلية مسلحة لترغيب المتمرد في إلقاء السلاح والانخراط في العمل السياسي حقنا للدماء وحفظا للأرواح التي ستدفع خلال عملية القضاء على التمرد بقوة السلاح.
اللافت أن توصيف الحوثيين بالانقلابيين في الخطاب السياسي اليمني برز بصورة أوضح عقب توقيع اتفاق السلم والشراكة، على ظن بأن الاتفاق أدخل الحوثيين في المشروعية السياسية، وأن الإخلال بالاتفاق بعد ذلك يعد انقلابا، بينما الاتفاق كان بين الحوثيين وبعض القوى السياسية تحت واقع فرضه التمرد، في ظل غياب أي تكافؤ في الإرادة.
وفي إطار القانون الدولي، يظل توصيف الجماعة ـ وفق هذا الطرح ـ مندرجا ضمن مفهوم الجماعة المسلحة المتمردة، ما دامت قد نشأت خارج الإطار الدستوري ولجأت إلى القوة المسلحة لمواجهة الدولة القائمة.
ويمكن تلخيص الفارق النظري بإيجاز في أن التمرد ينشأ من خارج المشروعية الدستورية، باستخدام القوة المسلحة، أما الانقلاب فيقع من داخل بنية السلطة القائمة ولكن بوسيلة غير مشروعة.
غير أن ما اقترفته جماعة الحوثي خلال تمردها المستمر منذ عقدين من الزمن من انتهاكات جسيمة وأعمال عنف عابرة للحدود، انتهت بخطف الطائرات وإجبارها على تغيير وجهتها بالقوة، و اعتراض السفن التجارية في عرض البحر، واحتجاز طواقمها، وقصفها وإغراقها، وهي أعمال قرصنة تندرج ضمن الجرائم الإرهابية وفقا للقانون الدولي و كل القوانين الوطنية لدول العالم…. طاب مساؤكم




