ثقافة الغنيمة” نهب السلاح بين الفوضى وانهيار الانضباط”
حجة برس – حميد التماري:
في خضم التطورات العسكرية المتسارعة التي تشهدها محافظة حضرموت شرقي اليمن خلال اليومين الماضيين، دخلت المحافظة مرحلة مفصلية في سياق محاولات استعادة المعسكرات والمواقع العسكرية التي كانت تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، وذلك في مواجهة مباشرة مع قوات “درع الوطن” التابعة للحكومة اليمنية، والمدعومة من تحالف دعم الشرعية.
العمليات شملت اشتباكات ميدانية وغارات جوية بدعم من التحالف، إلى جانب تقدم للقوات الحكومية لإحكام السيطرة على مواقع استراتيجية، أبرزها معسكر اللواء 37 مدرع في منطقة الخشعة، ومواقع في وادي سيئون، وسط رفض الانتقالي تسليم تلك المواقع واستعداده للمواجهة.
غير أن هذه التطورات العسكرية، على أهميتها، لا تمثل سوى قمة جبل الجليد لمعضلة أعمق تضرب بنية المجتمع والدولة معًا، وتتمثل في انتشار ما يمكن تسميته بـ “ثقافة الغنيمة”؛ وهي ظاهرة تتجاوز الصراع العسكري المباشر، لتلامس جوهر الانفلات الأمني والنهب المنظم للأسلحة والذخائر والموارد العامة، بما ينذر بتفكك أمني واجتماعي واسع.
النهب أثناء السيطرة: بوادر الفوضى
برزت ملامح هذه الثقافة بوضوح عقب دخول القوات الحكومية، بدعم من التحالف العربي، لاستعادة مواقع عسكرية كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، خصوصًا معسكر اللواء 37 مدرع في الخشعة، إضافة إلى أطراف سيئون والقطن ووادي وساحل حضرموت، وهي مواقع تتبع المنطقة العسكرية الأولى في سيئون، والمنطقة العسكرية الثانية في المكلا، فضلًا عن القاعدة العسكرية في مطار الريان.
استعادة هذه المواقع رافقها قلق أمني واسع من تعرض مخازن السلاح للنهب، خاصة عقب انسحاب قوات الانتقالي من بعض المواقع، وهو ما تأكد لاحقًا بظهور مقاطع مصورة وصور توثق عمليات اقتحام لمخازن عسكرية، وسرقة أسلحة وذخائر وآليات، نفذتها مجموعات محلية وغير معروفة.
وسبق ذلك، خلال الأسابيع الماضية، تسجيل تقارير محلية عن ضبط كميات من الذخيرة الثقيلة كانت قد أُخذت من أحد المعسكرات في مدينة الغيضة بمحافظة المهرة، بغرض الاتجار بها، بعد أيام فقط من سيطرة قوات الانتقالي على تلك المواقع.
كما وثّقت مصادر حقوقية وشهادات لسكان محليين حالات نهب واسعة للممتلكات العسكرية والمدنية أثناء دخول قوات الانتقالي إلى وادي حضرموت، شملت اقتحام مخازن السلاح، والاستيلاء على منازل عسكريين، والعبث بإمكانات الدولة.
هذه الوقائع تعبّر بوضوح عن تجذر ثقافة “غنيمة الحرب”، حيث لا يُنظر إلى المعسكرات والمخازن بوصفها مؤسسات سيادية أو مسؤولية وطنية، بل كفرص مفتوحة للنهب والتربح السريع، في ظل غياب الضبط المؤسسي وضعف الوعي المجتمعي بسلوكيات ما بعد النزاع.
الواقع الراهن: إحباط تهريب السلاح
حتى في سياق العملية العسكرية الحالية لاستعادة المعسكرات، تتجلى ثقافة الغنيمة بوضوح. فقد تحدثت مصادر عسكرية عن محاولات قامت بها قوات الانتقالي لتهريب أسلحة من معسكر اللواء 37 مدرع في الخشعة إلى خارج المحافظة، قبل أن تتمكن قوات “درع الوطن” من إحباط تلك المحاولات والسيطرة على الأسلحة في اللحظات الأخيرة.
ما يطفو هنا على السطح ليس مجرد نزاع على الأرض أو النفوذ، بل حالة انفلات أخلاقي خطير، تُحوِّل السلاح من أداة سيادية لحماية الدولة والمجتمع إلى سلعة في سوق سوداء، تُنهب وتُتاجر تحت شعارات الحرب أو “التحرير”.
جذور الظاهرة وأسبابها
تنبع ثقافة الغنيمة من مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها:
• انهيار مؤسسات الدولة وضعف الانضباط العسكري: هشاشة البنية المؤسسية، خصوصًا داخل قوات المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت، أسهمت في انهيارات سريعة وفتحت المجال أمام النهب والسطو على المخزون العسكري.
• غياب الوعي المجتمعي بالقانون والواجب الوطني: حين يتحول السلاح إلى هدف ربحي بدل كونه أداة لحماية المجتمع، تتحول المناطق المتضررة إلى أسواق مفتوحة للتجارة غير المشروعة، ويُستبدل النظام بالفوضى.
• الاستثمار السياسي في تفكك الأمن: استغلال الأسلحة المنهوبة من قبل مجموعات مسلحة أو أفراد غير منضبطين يفاقم حالة عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام تهديد المدنيين والعسكريين على حد سواء.
أخطار ثقافة الغنيمة على المجتمع
تترتب على هذه الظاهرة تداعيات خطيرة، من أبرزها:
• تغذية السوق السوداء للسلاح: نهب مخازن الدولة يؤدي إلى انتشار السلاح خارج أي رقابة، ويُسهّل وصوله إلى جماعات متطرفة أو شبكات إجرامية.
• انهيار الثقة بالمؤسسات: عندما يرى المواطن سلاح الدولة يُنهب ويُباع، تتآكل ثقته بالمؤسسات، ويميل للاعتماد على التسلح الفردي، بما يعمق ثقافة الفوضى ويقوض الانتماء الوطني.
• تهديد الاستقرار المستقبلي: انتشار السلاح يخلق بيئة خصبة لنزاعات قبلية ومناطقية، وقد يمتد أثره إلى تهريب السلاح خارج حضرموت، بما يوسع دائرة الصراع.
خاتمة: الوعي كخط دفاع أخير
ثقافة الغنيمة ليست سلوكًا فرديًا عابرًا، بل نتاج مباشر لغياب الدولة وسيادة القانون. نحن أمام أزمة أخلاقية بقدر ما هي سياسية وأمنية: كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على سلاحه ويقصر استخدامه على الدفاع المشروع، في ظل غياب القانون وتحلل المؤسسات؟
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مسارًا متكاملًا يشمل:
• استعادة الدور السيادي لمؤسسات الدولة الأمنية في حفظ وتسجيل السلاح.
• تعزيز الوعي المجتمعي بأن السلاح مسؤولية وطنية لا غنيمة حرب.
• محاسبة كل من يثبت تورطه في النهب أو الاتجار غير المشروع بالسلاح، دون استثناء.
في لحظة التحول التي تمر بها حضرموت والمهرة، تبقى سيادة القانون ونبذ ثقافة الغنيمة الخط الفاصل بين مجتمع قادر على النهوض من أزماته، وفوضى ممتدة ستترك أثرًا مظلمًا على الأجيال القادمة.
لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن تعقيدات الصراع الإقليمي والمحلي، لكن الحقيقة الأوضح أن السلاح خارج إطار الدولة ليس أداة حماية، بل وسيلة انهيار.
ومعالجة هذه الظاهرة لا تبدأ فقط باستعادة المخازن، بل ببناء وعي جمعي جديد، يضع السلاح في قفص القانون، ويُجرّم تحويله إلى غنيمة، أيًا كان الفاعل أو المبرر.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب ليس فقط استعادة المخازن، بل بناء وعي جماعي جديد يضع السلاح في قفص القانون، ويحرّم استخدامه كغنيمة لدى أي طرف. ففي ظل الانقسامات الراهنة، لا بد من مراجعة العلاقة بين القوة المادية والسلطة الشرعية، بين الفرد والمجتمع، حتى لا يتحوّل السلاح من حامي للحق إلى أداة للانحلال





