الشيخ مهدي السودي.. رجل الموقف الذي لم يساوم
حجة برس – علي سالم:
الشيخ مهدي علي عبدالله السودي.. قامة وطنية غابت جسداً وبقيت أثراً
ليس من السهل اختصار الرجال في سطور، ولا تلخيص القامات في مقال، فبعض البشر حين يرحلون يتركون فراغاً أكبر من الكلمات، وأثراً أعمق من الوصف.
وبرحيل الشيخ مهدي علي عبدالله السودي، فقدت محافظة حجة، واليمن عموماً، واحداً من رجالاتها الكبار، الذين يُستحضرون بوصفهم حالة وطنية وضميراً اجتماعياً حياً، لا مجرد اسم أو سيرة.
كان الشيخ مهدي السودي شخصية اجتماعية بارزة، وقامة وطنية سامقة، وأحد أعمدة رجال المحافظة، عُرف في الميدان قبل المجالس، وفي المواقف قبل الكلام. شهد له الجميع بالشجاعة والصدق والصلابة، فكان صادعاً بالحق، لا يساوم عليه، ولا يلوّن مواقفه، ولا يختبئ خلف الصمت حين يكون الصمت خيانة.
امتلك الفقيد باعاً طويلاً في إصلاح ذات البين، فكان رجل حكمة قبل أن يكون رجل موقف، يطفئ نيران الفتن قبل اشتعالها، ويجمع القلوب حين تتنافر، ويقدّم العدل على العصبية، والحكمة على الانفعال، واضعاً مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار.
ومع ظهور الميليشيا الحوثية، لم يُخادع الشيخ مهدي نفسه ولا الناس، ولم يُجمّل القبح باسم السياسة أو المصالح. قال كلمته بوضوح، وسمّى الأشياء بأسمائها، مدركاً ثمن الكلمة، ومؤمناً أن الصمت في مواطن الحق خيانة، وأن للكلمة ضريبة لا بد من دفعها.
وحين حذّره المشفقون من ملاحقة الميليشيا له، لم يتوارَ، ولم يضعف، ولم يستكن. بل جاءت مواقفه لتختصر الرجل كله، حين صدح بالتكبير عبر مكبرات الصوت، ليسمعه القاصي والداني. لم يكن ذلك الصوت عابراً، بل موقفاً ورسالة صريحة بأن الخوف لا يسكن قلوب الأحرار، وأن الإيمان إذا استقر في الصدر أسقط هيبة الطغيان.
ورغم تقدمه في العمر، ظل الشيخ مهدي متقد الهمة، قوي العزيمة، صادق الإيمان. تجلس إليه فتغادر وأنت أكثر نشاطاً وأعلى همة، لا يزرع الوهم، بل يوقظ المعنى، ويذكّرك بأن الأوطان لا يحميها المتذمرون، بل الثابتون الصابرون.
مواقفه الكثيرة تذكّر بأفعال العظماء، وحديث الحكماء، وصلابة المناضلين، وفراسة الرجال. زرته مراراً في منزله، فلم أجده يوماً ناقماً أو شاكياً، بل وجدته جبلاً راسخاً، مؤمناً بأن الشرف لا يُصان بالشكوى، بل بالموقف.
وكانت له أمنيته التي ظل يرددها وهو ينظر إلى جبال البلق:
“أشرف موتة أن أموت خلف هذه الجبال”.
رحل الشيخ مهدي السودي بعد صراع مع المرض، لكنه لم يرحل من قلوب محبيه. وكان آخر يوم في حياته صائماً متقرباً إلى الله، ومن توفيق الله أن يلقى ربه الكريم ليلة الجمعة 5 فبراير 2026، في خاتمة تشبه حياته صدقاً وثباتاً.
في ذمة الله يا أبا سلمان… نم قرير العين.
نسأل الله أن يرفع مقامك في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وأن يلهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.





