الزنبيل والحوثي
✍️ ناجي أبوزينه:
دخل القبيلي على الحوثي، وقد أمسك بيد ابنه الشاب، يملؤه الفخر، ويظن أنه جاء يقدم أغلى ما يملك في سبيل قضية عظيمة.
ابتسم الحوثي ابتسامة الواثق، وتأمل الفتى طويلًا، ثم قال ببرود:
– جميل… زنبيلٌ جديد!
لم يفهم الأب.
ظنها كلمة عابرة، أو لقبًا لا معنى له.
فابتسم، وقال بكل طيبة:
– هذا ولدي… قطعة من قلبي.
أشار الحوثي بيده وقال:
– اتركه… وسيكون له شأن.
ترك الأب ابنه، وعاد إلى قريته، يحدّث الناس أنه أدى واجبه، وأن ولده صار في صفوف الرجال.
ومرت الأيام…
ثم جاءت سيارة.
لا تحمل الابن…
بل تحمل نعشه.
عاد الزنبيل…
لكن هذه المرة لم يعد يمشي، ولم يعد يطرق باب البيت آخر النهار، ولم يعد ينادي: “يا أمي”.
عاد صامتًا، تحمله أربعة أكتاف، ويلفه كفن أبيض، كأن الحياة اعتذرت منه متأخرة.
وما إن وُضع النعش في ساحة البيت حتى انفجرت الأم صراخًا، وارتمت على ولدها، تقبّل جبينه البارد، وتناديه بالأسماء التي كانت تدلله بها صغيرًا، وكأنها تريد أن توقظ الطفولة من بين أكفان الموت.
وتعالت أصوات أخواته بالبكاء، واختلط العويل بالنحيب، وامتلأ البيت برجالٍ يعزون، ونساءٍ يلطمن، وأطفالٍ لا يفهمون لماذا لن يعود أخوهم مرة أخرى.
أما الأب…
فلم يبكِ أول الأمر.
ظل واقفًا، يحدق في النعش طويلًا، كأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
ثم تذكر…
تذكر يوم حمله رضيعًا.
ويوم أمسك بيده أول مرة.
ويوم كان يقول للناس مفتخرًا:
“هذا سندي إذا انحنى ظهري.”
فأدرك، وهو يحدق في الكفن، أنه لم يدفن ولدًا فحسب…
بل دفن عصاه التي كان سيتوكأ عليها إذا أثقلته السنون.
دفن اليد التي كانت سترفعه إذا عجز.
ودفن الصوت الذي كان سيقول له كل صباح:
“لا تقلق يا أبي… أنا هنا.”
فانحنى ظهره قبل أوانه، وشعر لأول مرة أن الشيخوخة ليست عددًا من السنين، بل غياب الابن.
وفي الوقت نفسه…
كان في بيت الحوثي مشهد آخر.
الأضواء مضاءة.
ورائحة العود والبخور تعبق في أرجاء المنزل.
والفرح يملأ المكان.
في الوقت الذي كان فيه زنبيل القبيلي يُقتل… كان الحوثي يزف ابنه.
وفي الساعة التي كانت فيها زوجة القبيلي تودع ابنها المقتول مع الحوثي، والدموع تغسل وجهها، وكانت تحتضن كفنه كأنها تحاول أن تعيده إلى رحمها من جديد…
كانت زوجة الحوثي تتزين لزوجها، وتتعطر، وتبخر غرفة نومها، وتتهيأ لاستقباله في ليلة هادئة، لم تعرف صراخ الثكالى، ولا رائحة الأكفان، ولا وجع الفقد.
هناك…
كانت أمٌ تنفض التراب عن وجه ولدها.
وهنا…
كانت يدٌ تنفض البخور في أرجاء البيت.
هناك…
كان بيتٌ يغرق في العويل.
وهنا…
كان بيتٌ يغرق في التهاني.
هناك…
كان أبٌ يحصي ما بقي من عمره بلا سند.
وهنا…
كان السيد يحصي ما بقي له من الأتباع.
وهناك فقط…
فهم الأب معنى الكلمة التي لم يفهمها يوم سلّم ابنه.
لقد كان ابنه زنبيلًا.
وعرف أن الزنبيل ليس شريكًا في المشروع…
بل وعاءٌ يحمل الخسائر عن غيره.
وأن السيد لا يحرس سيادته بأبنائه…
بل بأبناء الآخرين.
اقترب الأب من قبر ولده، وهمس بصوتٍ مكسور:
“يا بني…
كنت أظنك ذاهبًا لتصنع مجدًا لنا.
فاكتشفت أنك ذهبت لتصنع سيادةً لغيرنا.
كنت أظنني أقدمك للوطن…
فاكتشفت أنني قدمتك ثمنًا لعبوديتي.”
ثم رفع رأسه إلى السماء وقال:
“ما أعجب هذا الزمان!
في كل الأمم كان السيد يقدم ابنه ليحفظ ملكه…
أما هنا، فإن السيد يحتفظ بابنه، ويقدم أبناء القبائل ليحفظ سيادته.
ويمنحهم لقب زنبيل…
ثم ينتظر منهم أن يشكروه على العبودية!”
ومنذ ذلك اليوم…
كلما خرجت جنازة من بيوت القبائل، سأل نفسه سؤالًا واحدًا:
لماذا نقدم اولادنا ثمنا لنكون عبيدا وزنابيل للسلالة ؟!!





