حجة برس يوثق الكارثة.. كيف حوّلت ميليشيا الحوثي مدناً وقرى في حجة إلى مناطق منكوبة وشرّدت آلاف الأسر؟
حجة برس – تقرير خاص:
لم تكن الحرب التي فرضتها ميليشيات الحوثي في محافظة حجة مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل خلفت كارثة إنسانية واسعة، دفعت آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها، وحوّلت مدناً وقرى وأحياء إلى مناطق مدمرة أو خالية من سكانها، فيما لا تزال الألغام ومخلفات الحرب تعرقل عودة النازحين إلى مناطقهم.
وتحمّل الوقائع التي وثقتها تقارير حقوقية، وفي مقدمتها تقرير منظمة تقصي للتنمية وحقوق الإنسان، ميليشيا الحوثي مسؤولية مباشرة عن هذه الكارثة، نتيجة الحرب التي أشعلتها الجماعة وممارساتها التي طالت المدنيين وممتلكاتهم ومصادر عيشهم، إلى جانب استخدام مناطق مدنية لأغراض عسكرية وزراعة الألغام في مناطق سكنية وزراعية.
3,500 أسرة.. نزوح لم يبدأ من ساحات القتال فقط
وفقاً لتقرير منظمة «تقصي»، بلغ عدد الأسر التي نزحت من مديريات في محافظة حجة لم تشهد مواجهات مباشرة نحو 3,500 أسرة، بإجمالي يقارب 15,800 نازح ومهجّر قسرياً.
وتكشف هذه الأرقام، بحسب التقرير، أن آثار حرب الحوثيين لم تقتصر على المناطق التي شهدت المعارك بصورة مباشرة، بل امتدت إلى مناطق أخرى بفعل انعدام الأمن والخوف من القتل أو الإصابة أو الاختطاف، فضلاً عن تدهور الأوضاع المعيشية وانهيار مصادر الدخل، بفعل سياسات ميليشيات الحوثي الارهابية التسلطية والافقارية.
وهكذا وجد آلاف المدنيين أنفسهم أمام خيار صعب: ترك منازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم بحثاً عن الأمان، بعدما فرضت الحرب واقعاً لم يختاروه ولم يكونوا طرفاً فيه.
حرض.. من مدينة لا تنام إلى مدينة مدمرة
تقدم حرض واحدة من أكثر الصور وضوحاً لحجم الكارثة التي خلفتها حرب الحوثيين في حجة.
فالمدينة الحدودية التي كانت مركزاً تجارياً نشطاً، وتعرف بحركتها التجارية وتنوع سكانها، تحولت بفعل الحرب إلى منطقة مدمرة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وبحسب تقرير «تقصي»، استخدمت ميليشيا الحوثي عدداً من المباني والمنشآت المدنية لأغراض عسكرية، قبل أن تتعرض أجزاء واسعة من المدينة والمنشآت فيها للدمار خلال العمليات العسكرية.
وتوقفت الحياة التجارية والخدمية في المدينة، واختفت أو تعطلت الفنادق ومحطات الوقود والبنوك والأسواق والمستشفيات والمدارس والأندية والمنشآت الحكومية، فيما فقد آلاف السكان منازلهم ومصادر رزقهم.
لم تعد حرض، وفق الصورة التي يرسمها التقرير، مجرد مدينة تضررت من الحرب، بل أصبحت نموذجاً لمدينة دُمرت مقومات الحياة فيها واضطر سكانها إلى النزوح عنها.
ميدي.. ألغام الحوثيين تلاحق السكان حتى بعد توقف الحرب
وفي ميدي، لم تنتهِ معاناة السكان بانحسار المواجهات، إذ تركت ميليشيا الحوثي وراءها حقولاً من الألغام ومخلفات الحرب، وفق ما أورده تقرير «تقصي».
وأشار التقرير إلى زراعة الألغام في المنازل والطرقات والممرات والمزارع ومناطق أخرى، ما جعل العودة إلى المنطقة محفوفة بالمخاطر، وحوّل بعض الأماكن التي كانت مخصصة للسكن والعمل وممارسة الحياة اليومية إلى مناطق خطرة.
ورغم الجهود التي تبذلها وحدات الجيش والفرق الهندسية وبرنامج مسام في نزع الألغام وإتلافها، فإن حجم الألغام ومخلفات الحرب يمثل تحدياً كبيراً أمام تطهير المناطق وتأمينها وعودة السكان إليها.
وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج حرب الحوثيين: حتى بعد توقف المواجهات، تستمر آثارها في تهديد حياة المدنيين وتعطيل عودتهم إلى منازلهم وأراضيهم.
عبس وبكيل المير.. قرى ومناطق أخرى تدفع الثمن
ولم تتوقف موجات النزوح عند حرض وميدي، إذ امتدت المواجهات إلى أجزاء واسعة من مديرية عبس وأجزاء من مديرية بكيل المير، وفق تقرير منظمة «تقصي».
وأجبرت المواجهات السكان على مغادرة منازلهم والبحث عن أماكن أكثر أمناً، بينما أدى تدمير المنازل والمنشآت وتعطيل الأسواق والخدمات إلى مضاعفة معاناتهم.
فالنزوح بالنسبة للمدني ليس مجرد انتقال من منطقة إلى أخرى؛ إنه فقدان للمنزل، ومصدر الرزق، والأمان، والبيئة الاجتماعية، ومدرسة الأطفال، والأرض التي ارتبطت بها الأسرة لسنوات طويلة.
حجور.. حربان وموجات نزوح طالت المدنيين
وتأتي منطقة حجور في مقدمة المناطق التي دفعت ثمناً باهظاً للحرب التي شنتها ميليشيا الحوثي في محافظة حجة، حيث تعرض أبناؤها لموجات متعاقبة من النزوح خلال المواجهات الأولى، ثم الحرب الواسعة التي شهدتها المنطقة عام 2019.
وخلال تلك المواجهات، اضطر سكان عدد من قرى ومناطق حجور إلى النزوح الطوعي هرباً من القصف والمواجهات والخوف على حياتهم وحياة أطفالهم، فيما تعرض آخرون للتهجير القسري ومغادرة منازلهم تحت وطأة العمليات العسكرية والتهديدات، بحسب ما وثقته تقارير حقوقية وشهادات محلية.
وكانت حجور، بما شهدته من موجات نزوح خلال جولات المواجهة، واحدة من أبرز الشواهد على أن المدنيين ظلوا الطرف الأكثر دفعاً لثمن الحرب، بين نزوح اختياري فرضته المخاطر، وتهجير قسري فرضته ظروف الحرب وممارساتها.
12 عاماً.. جيل كامل دفع ثمن حرب الحوثيين
لم يعد النزوح في حجة حالة مؤقتة بالنسبة لكثير من الأسر… فبحسب التقرير، امتدت معاناة النازحين على مدى سنوات طويلة، حتى أصبح أطفال يولدون ويكبرون بعيداً عن قراهم ومنازلهم ومدارسهم، فيما تحولت أماكن النزوح المؤقتة بالنسبة لبعض الأسر إلى واقع دائم.
اثنا عشر عاماً من الحرب كانت كافية لتغيير حياة أجيال كاملة؛ أسر فقدت منازلها، وأخرى فقدت مصادر دخلها، وأطفال حُرموا من طفولتهم الطبيعية، ونازحون ما زالوا ينتظرون فرصة العودة إلى ديارهم.
وهذه الكارثة، كما تكشفها أرقام «تقصي»، ليست مجرد أرقام في تقرير حقوقي؛ فخلف كل رقم أسرة اقتُلعت من مكانها، وخلف كل منزل مهجور قصة إنسانية، وخلف كل قرية خالية من سكانها مجتمع دمرت الحرب استقراره.
جرائم لا تنتهي آثارها بانتهاء المعارك
وتشير منظمة «تقصي» في تقريرها إلى أن ما تعرض له المدنيون من نزوح وتهجير وتدمير لا ينبغي أن يسقط من الذاكرة بمرور الزمن، مستندة إلى قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر صوراً من التهجير القسري والنقل غير المشروع للسكان واستهداف المدنيين.
كما يشدد التقرير على ضرورة تحديد المسؤوليات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب الانتهاكات والجرائم، وفقاً للقانون.
وفي حالة حجة، فإن استمرار توثيق آثار الحرب يكشف جانباً من الكلفة التي دفعها المدنيون جراء ممارسات ميليشيا الحوثي، ويؤكد أن آثار تلك الممارسات لم تتوقف عند لحظة إطلاق النار، بل امتدت إلى النزوح والفقر وفقدان الممتلكات وتعطيل الخدمات وانتشار الألغام وحرمان الأسر من العودة إلى مناطقها.
حجة لا تنسى.. والضحايا ليسوا أرقاماً
إن ما حدث في حجة لا يمكن اختزاله في مشاهد الدمار أو أرقام النازحين، فالحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي غيّرت حياة آلاف الأسر، ودفعت مدناً وقرى إلى دفع ثمن باهظ ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق هذه الوقائع، ليس لاستعادة الماضي فحسب، وإنما لكشف الحقيقة وحفظ حقوق الضحايا وتحديد المسؤوليات ومنع طمس ما حدث بمرور الزمن.
ما نسينا.. ولن ننسى
ما نسينا، ولن ننسى اثني عشر عاماً من النزوح والتشرد، وآلاف الأسر التي أُجبرت على ترك بيوتها بسبب الحرب التي أشعلتها ميليشيا الحوثي، ولا المدن والقرى والأحياء التي دُمرت، ولا الأطفال الذين كبروا بعيداً عن منازلهم ومدارسهم وأحلامهم.
لن ننسى ليالي الخوف والجوع والبرد، ولا من فقدوا أهلهم وجيرانهم وأصدقاءهم، ولا من عاشوا سنوات بعيداً عن أرضهم وبيوتهم.
ونحن لا نعيد فتح هذه الملفات من أجل النشر فقط، بل لكشف الحقيقة، ليعرف اليمنيون حجم ما تعرضوا له، وليعرف العالم حجم المأساة التي دفع ثمنها المدنيون.
سنواصل التوثيق وحفظ شهادات الضحايا وحقوقهم، لأن الجرائم لا تصبح أقل خطورة بمرور الزمن، والضحايا لا يفقدون حقهم في العدالة لأن العالم انشغل بملفات أخرى.
ما نسينا.. ما نسينا.. ولن ننسى أبداً.
لن ننسى ما صنعته ميليشيا الحوثي بمحافظة حجة و باليمن واليمنيين، ولن نسمح بأن تُمحى ذاكرة الضحايا، أو أن تكبر الأجيال القادمة وهي تجهل من أشعل الحرب، ومن شرّد الأسر، ومن دفع باليمن إلى هذا الخراب.





