كتابات

جوهر الدولة..

المحامي / علي المطري:

 

الدولة ليست كيانا يولد دفعة واحدة، بل هي بناء تراكمي يقوم على أسس راسخة، وتشاد أعمدته وفق معايير دقيقة، وتستكمل جدرانه وطوابقه في انسجام دقيق، حتى يغدو صالحا لاحتضان الإنسان وصون كرامته وحمايته من الشتات والضياع. وكل خلل في قاعدة أو إهمال في شرط من شروط التشييد لا يؤدي إلى اختلال بسيط فقط، بل يتسبب لمن يستظلون به بالمعاناة والضيق على مدى الزمن، كما يعد تهديدا للكيان برمته بالانهيار عند أي خطر طارئ.

والمشاركة في إقامة هذا البناء ليست تفضلا، بل مسؤولية أخلاقية وواجبا تضامنيا على الجميع.

وبالتالي فمن يتجاوز المعايير فيما أسند إليه، أو يخل بما اؤتمن عليه، لا يسيء إلى خصم بعينه، بل يغدر بالبنية المشتركة ويقوض الثقة التي يقوم عليها الاجتماع السياسي. والغش في هذا المقام ليس خطأ إداريا عابرا، بل خيانة للعقد الضمني الذي يشد الأفراد بعضهم إلى بعض في إطار الدولة.

وهذا الحكم لا يستثني أحدا، بل يسري على الأحزاب والتنظيمات، كما يسري على القيادات والمسؤولين، بل وعلى الأفراد العاديين. إذ أنه لا قيام لكيان عام بغير التزام شامل بقواعده الناظمة، ولا معيار يضبط هذا الالتزام سوى الدستور والقانون، بوصفهما المرجع الجامع الذي يميز بين الإحسان والإساءة، ويضع حدود الفعل المشروع.

غير أن الممارسة تكشف مفارقة مؤلمة جدا، فنحن نتنازع على دولة لم نحسن بناءها، ونتعامل معها كغنيمة سياسية بينما هي ماتزال في المهد أو تحت الأنقاض. ويمارس كل مكون أسلوبا وكما هائلا من التضليل على أتباعه وعلى الشعب، مستغلا قصور الوعي العام عن إدراك تعقيدات التشييد المؤسسي، فيتحول الصراع من تنافس على خدمة البناء إلى سباق على السيطرة عليه.

وهكذا صارت تصرفات الكثير معاول هدم متبادلة، يهدم بعضهم ما شيده الآخر نكاية أو كيدا، دون وعي بأنهم يقترفون خطيئة عظيمة و ينسفون السقف الذي يظلل الجميع. ومع ذلك فهناك قلة ما مازالت تعمل بإخلاص وصبر، وتستبسل في مقاومة اختلال الموازين وتكاثر أدوات التقويض، متمسكة بفكرة الدولة بوصفها مشروعا أخلاقيا قبل أن تكون جهازا سياسيا، لإدراكهم أن الدولة في جوهرها، ليست ساحة صراع صفري، بل بناء مشترك لا يثبت إلا بصدق القائمين عليه وعدلهم، وأن كل انحراف عن هذا المعنى إنما هو عدوان على المجموع، مهما تسربل بشعارات المصلحة المرحلية أو ادعى ضرورات الواقع، والله المستعان….

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى