الخرافة المقدَّسة، والجهل المركَّب
✍️ناجي ابوزينه:
من أخطر ما تسعى إليه المليشيات الحوثية المؤدلجة أن تنزع من الناس ملكة النظر، وأن تصادر عقولهم قبل أن تصادر إرادتهم؛ فلا تكتفي بترويج الباطل، بل تعمل على إلباسه ثوب القداسة، حتى يغدو الخرافة في نظر الأتباع حقيقةً لا تقبل النقاش، والباطل دينًا لا يجوز الاعتراض عليه.
وهنا تتجلّى حقيقة المشروع الحوثي في سعيه الدؤوب إلى تقديس الخرافة، وصناعة الجهل المركَّب.
فبوسائل متعددة، وأساليب شتى، من دورات ثقافية، ومراكز صيفية، وحملات إعلامية، وتحريف لمفاهيم الدين، وتغيير للمناهج، يمضي هذا المشروع في غرس أفكارٍ مشوَّهة في نفوس الناشئة والعامة، حتى تتكوَّن لديهم قناعاتٌ مصادمة للدين الصحيح، منافية للفطرة السويّة، مستكرهة لدى النفوس الحرة لو تُركت على سجيتها.
ولهذا لا يجد هذا الفكر سبيلًا إلى النفوس إلا بالقهر والإلزام؛ لأن بضاعته كاسدة، لا يقبلها ذو عقلٍ راجح، ولا يرضاها صاحب مروءةٍ وبصيرة. فالمشروع المرفوض لا يعيش بالحجة، وإنما يعيش بالقوة، ولا ينتشر بالبرهان، وإنما يفرض بالسلطان.
ومن أبرز الوسائل التي اعتمدها الحوثي لتحقيق ذلك فتحُ المراكز الصيفية، التي تُستغل لغرس مفاهيم باطلة في عقول الأطفال والناشئة؛ فيُلقَّنون أنهم مجرد أتباعٍ منزوعي الإرادة، وأن فئةً بعينها هي السادة، وأن الدين منحصرٌ فيهم، وأن الهداية لا تكون إلا باتباعهم، وأن طاعتهم من طاعة الله، إلى آخر ما يُنسج من الخرافات والأساطير والافتراءات على الله ورسوله.
وهذا المسلك لا يورث مجرد الجهل، بل يورث الجهل المركَّب، وهو أشدُّ خطرًا وأعظمُ فسادًا من الجهل البسيط. فالجاهل البسيط هو الذي لا يعلم، وعلاجُه يسيرٌ بالتعليم والتفهيم. أما الجاهل المركَّب فهو الذي يجهل، ويظن نفسه عالمًا، فيعتقد الأشياء على غير حقيقتها، ويتوهَّم الباطل حقًّا، والظلمة نورًا.
فالذي لا يعلم يسهل إرشاده، أما الذي يظن أنه يعلم وهو في غاية الخطأ، فذلك داؤه أعسر، وعلاجه أشق.
وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى تصويرًا بليغًا فقال:
«قال الحمار يومًا
لو أنصف الدهر كنت أُركَبُ
لأنني جاهلٌ بسيطٌ
وصاحبي جاهلٌ مركَّبُ»
وهذا هو المقصد الذي يُراد للنشء أن يُربَّوا عليه: تقديس الخرافة، وتلقّي الباطل على أنه حق، وفهم الدين على غير مراد الله ورسوله، حتى تنشأ أجيالٌ لا ترى الحقيقة إلا من خلال عدسة الوهم.





