اليمن….عندما بدأت المعادلة تتغير
✍️ هند أحمد:
لم يعد السؤال اليوم: هل تستطيع الشرعية التقدم؟
بل أصبح السؤال: إلى أين يمكن أن يصل هذا التقدم؟
بعد سنوات طويلة بدا فيها المشهد اليمني جامدًا، عادت الجبهات إلى التحرك بصورة مختلفة. وفي الأيام الأخيرة، أعلنت القوات الحكومية والقوى المساندة لها تحقيق تقدم في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة، في وقت تحدثت فيه القيادة السياسية عن استعادة زمام المبادرة ومواصلة العمليات حتى استعادة مؤسسات الدولة.
قد يراه البعض مجرد تقدم عسكري آخر في حرب طويلة، لكن من يراقب المشهد اليمني يدرك أن المسألة أكبر من ذلك.
هذه المرة.. الشرعية هي التي تتحرك
لسنوات، كان الحوثيون يستفيدون من الجمود وتثبيت خطوط المواجهة، بينما ظلت جبهات كثيرة تراوح مكانها.
أما اليوم، فقد تغيرت الصورة.
القوات الحكومية لم تعد تكتفي بصد الهجمات، وإنما انتقلت في عدد من المحاور إلى الهجوم وفتح جبهات جديدة والضغط على مواقع الحوثيين. وهذا التحول هو أهم ما يميز المرحلة الحالية.
وفي الجوف والبيضاء وتعز والحديدة، ظهرت تطورات ميدانية متزامنة، ما يعني أن المعركة لم تعد محصورة في اتجاه واحد.
وهنا تبدأ أهمية ما يحدث.
التقدم ليس مجرد أمتار على الخريطة
في الحروب، لا تقاس أهمية التقدم العسكري بعدد الكيلومترات وحدها.
أحيانًا يكون الأهم هو من يمتلك المبادرة، ومن يفرض على الطرف الآخر أن يتعامل مع تحركاته.
والذي يحدث الآن يستحق أن يُقرأ من هذه الزاوية.
فبعد أن حاول الحوثيون توسيع هجماتهم في عدد من المناطق، انتقلت القوات الحكومية والقوى المناهضة لهم إلى هجوم مضاد، وبدأت تحقق مكاسب ميدانية في أكثر من محافظة.
وهذا يعني أن قواعد الاشتباك نفسها بدأت تتغير.
لكن الطريق إلى صنعاء ليس طريقًا قصيرًا
هنا يجب أن نكون واقعيين.
التقدم الحالي مهم، لكنه لا يعني أن الحرب انتهت أو أن الحسم أصبح مضمونًا. الحوثيون ما زالوا يمتلكون قدرة على القتال والرد، والمعارك ما زالت مستمرة، كما أن بعض الروايات الميدانية المتعارضة لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.
ولهذا فإن قوة المرحلة الحالية لا تكمن في إطلاق شعارات النصر، وإنما في الحفاظ على التقدم وتثبيته وتحويله إلى مسار مستمر.
فالانتصار الحقيقي لا يبدأ عندما نعلن أننا انتصرنا، بل عندما يصبح التقدم واقعًا ثابتًا لا يستطيع الخصم التراجع عنه.
*الفرصة أمام الشرعية*
اليوم أمام الشرعية والقوى المناهضة للحوثيين فرصة لا ينبغي إضاعتها.
المطلوب ليس فقط تحقيق تقدم عسكري، وإنما المحافظة على وحدة الصف، وتنسيق الجهود، ومنع الخلافات الداخلية من إضعاف أي مكاسب تتحقق على الأرض.
فاليمنيون لا يريدون تبديل مواقع على الخريطة فقط.
هم يريدون دولة.
يريدون مؤسسات تعمل، وأمنًا يستعيد عافيته، ومدنًا تتنفس بعيدًا عن الحرب، ومستقبلًا لا يُفرض فيه السلاح على الدولة والمجتمع.
*الحوثي أمام اختبار مختلف*
المرحلة الحالية تضع الحوثيين أمام واقع لم يعتادوا عليه خلال سنوات الحرب: جبهات تتحرك في أكثر من اتجاه، وقوات حكومية تستعيد المبادرة، وضغط ميداني يتسع بدل أن ينكمش.
وهنا لن تكون المسألة مرتبطة بمن يسيطر على موقع أو جبل فقط، وإنما بمن يستطيع الاستمرار عندما تطول المعركة.
فالسيطرة على الأرض شيء، والقدرة على الاحتفاظ بها وتوسيعها شيء آخر.
*لا نريد انتصارًا مؤقتًا*
اليمنيون لا يحتاجون إلى جولة جديدة تنتهي بعودة الجميع إلى نقطة الصفر.
ما يحتاجونه هو أن يتحول أي تقدم عسكري إلى طريق لاستعادة الدولة.
ولهذا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
*لا مجال لإضاعة هذه اللحظة.*
إذا كانت الشرعية قد استعادت المبادرة فعلًا، فعليها أن تحافظ عليها. وإذا كانت الجبهات قد بدأت تتحرك، فعليها أن تتحول إلى مسار متماسك لا إلى اندفاعة مؤقتة.
اليوم، لأول مرة منذ فترة طويلة، يشعر كثير من اليمنيين بأن الجمود الذي طال قد بدأ ينكسر.
وقد لا تكون هذه نهاية المعركة.
لكنها قد تكون بداية النهاية لمرحلة طويلة من الجمود.
اليمن أمام لحظة فاصلة
المشهد لم يُحسم بعد، لكن شيئًا مهمًا تغيّر:
الشرعية لم تعد تنتظر ما سيفعله الحوثي فقط، بل بدأت هي بصناعة المشهد على الأرض، وهذه بحد ذاتها نقطة تحول.
ويبقى الاختبار الحقيقي في الأيام القادمة:
هل تستطيع القوات الحكومية والقوى المناهضة للحوثيين الحفاظ على المبادرة؟
هل يتحول التقدم في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة إلى مكاسب أوسع؟
وهل يستطيع اليمنيون تجاوز خلافاتهم والاستفادة من هذه اللحظة لبناء مشروع وطني جامع؟
الإجابة لن تكون بالكلمات.
*الأيام القادمة وحدها ستجيب*
لكن المؤكد أن اليمن اليوم ليس كما كان بالأمس.
فالمعادلة بدأت تتحرك.. وهذه المرة، يبدو أن الشرعية هي التي تمسك بخيط المبادرة.





