الإصلاح في حجة.. ثلاثة عقود من العمل السياسي والمجتمعي والعمل الوطني الداعم للدولة والجمهورية
حجة برس – تقرير خاص:
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، شكّل التجمع اليمني للإصلاح أحد المكونات السياسية والاجتماعية الفاعلة في محافظة حجة، وارتبطت تجربته بمراحل التحول التي شهدتها المحافظة واليمن منذ قيام الجمهورية اليمنية والتعددية الحزبية عام 1990.
ولم تقتصر تجربة الإصلاح في حجة على النشاط الحزبي والانتخابي والمشاركة السياسية، بل امتدت إلى مجالات التعليم والعمل الخيري والاجتماعي والإسهام في بناء مؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب حضوره في مواجهة التحديات التي فرضتها الحروب والصراعات، وصولًا إلى مشاركته في ما يصفه الحزب بـ”المعركة الوطنية” لاستعادة الدولة والجمهورية ومواجهة مشروع جماعة الحوثيين.
من التعددية السياسية إلى بناء الحضور المحلي
دخل الإصلاح الحياة السياسية اليمنية مع تأسيس الحزب في سبتمبر 1990، مستفيدًا من التحول الذي أحدثته الوحدة اليمنية وقيام نظام التعددية السياسية.
وفي محافظة حجة، عمل الحزب على بناء حضوره التنظيمي والسياسي في المديريات والمراكز السكانية، وخاض الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، وشارك في المنافسة على المقاعد البرلمانية والمحلية، إلى جانب نشاطه في الفعاليات السياسية والاجتماعية.
ومع تطور الحياة السياسية اليمنية، انتقلت تجربة الإصلاح من المشاركة السياسية إلى المعارضة والتنسيق مع القوى الأخرى، وصولًا إلى العمل ضمن تكتل اللقاء المشترك، ثم المشاركة في مرحلة التغيير السياسي ومؤتمر الحوار الوطني.
وبذلك أصبحت تجربة الحزب في حجة جزءًا من التحولات السياسية التي شهدتها المحافظة، والتي انتقلت من مرحلة المنافسة الحزبية والانتخابات إلى مرحلة الصراع على مستقبل الدولة وشكل النظام السياسي.
الإصلاح والمجتمع.. حضور يتجاوز العمل الحزبي
أحد الجوانب اللافتة في تجربة الإصلاح بمحافظة حجة هو امتداد نشاط كوادره وأنصاره إلى مجالات اجتماعية وتعليمية وخيرية متعددة، إذ لم يكن الحضور مقتصرًا على المكاتب والفعاليات السياسية.
وشهدت المحافظة، على مدى سنوات، نشاطًا واسعًا في مجال التعليم الأهلي والمجتمعي، وإنشاء المدارس والمعاهد والمراكز التعليمية، فضلًا عن المعاهد العلمية ودور القرآن الكريم، التي أسهمت في توفير فرص التعليم والتأهيل في عدد من مناطق المحافظة.
كما ارتبطت التجربة بنشاط عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية والاجتماعية، وبرامج رعاية الفئات الأشد احتياجًا، ومن بينها كفالة الأيتام ومساعدة الأسر الفقيرة ودعم التعليم والأنشطة الاجتماعية.
وإلى جانب ذلك، كان لعدد من الشخصيات والواجهات الاجتماعية المرتبطة بالإصلاح حضور في جهود إصلاح ذات البين وحل النزاعات المجتمعية والوساطة بين القبائل والأسر، وهي أدوار تكتسب أهمية خاصة في محافظة ذات تركيبة اجتماعية وقبلية متنوعة مثل حجة.
كما أسهمت بيئة التعددية السياسية التي شارك الإصلاح في تكريسها في ظهور وتوسع عدد من منظمات المجتمع المدني والفعاليات التطوعية، بما جعل النشاط السياسي والاجتماعي متداخلًا في كثير من مراحل التجربة.
التعليم والمعاهد.. أحد أبرز روافد الحضور المجتمعي
يمثل التعليم أحد أبرز المجالات التي تركت فيها تجربة الإصلاح أثرًا اجتماعيًا في المحافظة.
فإلى جانب المدارس الحكومية، انتشرت خلال العقود الماضية مدارس ومعاهد ومراكز تعليمية ارتبطت بتيارات وشخصيات إسلامية وسياسية مختلفة، وكان للإصلاحيين حضور في تأسيس بعضها وإدارتها ودعمها.
وقد وفرت هذه المؤسسات فرصًا للتعليم في مناطق كانت تعاني من محدودية الخدمات، وأسهمت في تخريج أجيال من الطلاب الذين التحقوا لاحقًا بمختلف مجالات العمل العام، من التعليم والإدارة إلى النشاط الاجتماعي والسياسي.
ولا يمكن فصل هذا النشاط عن السياق العام الذي شهدته اليمن خلال العقود السابقة للحرب، حيث لعبت المدارس والمعاهد والمراكز التعليمية والخيرية دورًا في سد جانب من الفجوة التي خلفها ضعف الخدمات الحكومية في عدد من المناطق الريفية.
المؤسسات الخيرية وكفالة الأيتام
امتد النشاط المجتمعي إلى الجانب الخيري، من خلال جمعيات ومؤسسات وبرامج استهدفت الأسر المحتاجة والأيتام والطلاب والفئات الأكثر هشاشة.
وشملت هذه الأنشطة كفالة الأيتام، وتقديم المساعدات الغذائية والمالية، ودعم الطلاب، والمساهمة في بعض المشاريع المجتمعية والخدمية، وهي أعمال أسهمت في تعزيز الحضور المجتمعي للتيار الإصلاحي في عدد من مناطق المحافظة.
كما لعبت المساجد ودور القرآن والمراكز الاجتماعية دورًا في النشاط المجتمعي والتعليمي، إلى جانب جهود فردية وجماعية في نشر التعليم الديني ومحو الأمية وتعليم القرآن.
من العمل الاجتماعي إلى تأسيس المجتمع المدني
ساهمت مرحلة التعددية السياسية كذلك في انتقال المجتمع الحجي من نمط النشاط الاجتماعي التقليدي إلى العمل المؤسسي بصورة أكبر.
وفي هذا السياق، شارك ناشطون وشخصيات محسوبة على الإصلاح أو قريبة منه في تأسيس ودعم منظمات وجمعيات مدنية وحقوقية وخيرية، وفي تنظيم الفعاليات والأنشطة المجتمعية.
ومع مرور الوقت، أصبح المجتمع المدني في المحافظة أكثر تنوعًا، وبرزت منظمات تعمل في مجالات حقوق الإنسان، والمرأة، والطفولة، والتعليم، والإغاثة، والتنمية المحلية.
ولا يعني ذلك أن هذه المؤسسات كانت جميعها تابعة للإصلاح، وإنما إن حضور كوادر الحزب وشخصياته في المجال المدني كان أحد مكونات المشهد الاجتماعي الأوسع الذي نشأ في ظل التعددية السياسية.
2012.. الإصلاح في مواجهة أول اجتياح حوثي لحجة
مثّل تمدد جماعة الحوثيين نحو محافظة حجة عام 2012 نقطة تحول حاسمة في التجربة السياسية للإصلاح بالمحافظة.
فبعد سنوات من المنافسة السياسية والعمل الحزبي والاجتماعي، وجد الحزب نفسه أمام جماعة مسلحة تتوسع بالقوة وتفرض واقعًا جديدًا على الأرض.
ومع وصول المواجهات إلى مناطق المحافظة، شاركت شخصيات وقيادات وقواعد إصلاحية ضمن المكونات والفعاليات المحلية المناهضة للتمدد الحوثي، وبرز موقف الحزب في الدفاع عن التعددية السياسية ورفض فرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
وكانت تلك المرحلة بداية انتقال تجربة الإصلاح في حجة من المنافسة السياسية في صناديق الاقتراع إلى العمل في بيئة صراع مسلح.
ومع اتساع نفوذ الحوثيين وسيطرتهم لاحقًا على أجزاء واسعة من المحافظة، تعرضت البيئة السياسية والمدنية في حجة لتغييرات كبيرة، وتراجعت مساحة النشاط الحزبي المفتوح، فيما تعرض عدد من الناشطين والقيادات للاعتقال والملاحقة والتهجير، وفق رواية الحزب وناشطين من المحافظة.
حجور 2019.. محطة مفصلية في مقاومة الحوثيين
كانت انتفاضة حجور عام 2019 واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المقاومة المحلية بمحافظة حجة.
ففي مديريات حجور، خاضت القبائل المحلية مواجهات عنيفة مع جماعة الحوثيين، في محاولة لمنع الجماعة من فرض سيطرتها الكاملة على المنطقة.
وكان للإصلاح وقياداته وقواعده في المحافظة حضور في دعم مقاومة حجور سياسيًا وشعبيًا، كما شارك عدد من أبناء الحزب وأبناء المحافظة في المواجهات إلى جانب أبناء المنطقة.
وتحوّلت معركة حجور إلى محطة بارزة في الذاكرة السياسية والشعبية لمحافظة حجة، باعتبارها واحدة من أبرز المواجهات المحلية التي تصدت للحوثيين بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات.
وعلى الرغم من انتهاء المعركة بسيطرة الحوثيين على المنطقة، فإنها كشفت حجم الرفض الشعبي لمشروع الجماعة، وأصبحت رمزًا من رموز المقاومة المحلية في المحافظة.
الإصلاح والمعركة الوطنية واستعادة الجمهورية
مع اندلاع الحرب واتساع سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، تغيرت طبيعة الدور السياسي للإصلاح في حجة بصورة جذرية.
فبعد أن كان الحزب يخوض الانتخابات ويتنافس على المقاعد البرلمانية والمحلية، أصبح جزءًا من القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية المؤيدة للحكومة الشرعية والمطالبة باستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب.
وانخرط أبناء المحافظة المنتمون إلى الإصلاح في مختلف مسارات مواجهة الحوثيين، سياسيًا وإعلاميًا ومجتمعيًا وعسكريًا، كما شارك عدد منهم في صفوف القوات الحكومية والمقاومة في مختلف الجبهات.
وفي المناطق المحررة من محافظة حجة، ارتبط نشاط كوادر الإصلاح كذلك بدعم مؤسسات الدولة المحلية، والمشاركة في العمل الإداري والخدمي والاجتماعي، والمساهمة في مساندة النازحين والسكان المتضررين من الحرب.
ويقدم الحزب هذا الدور باعتباره امتدادًا لموقفه السياسي الرافض للاستيلاء على الدولة بالقوة، ودعمه لمبدأ الجمهورية والتعددية والشراكة السياسية.
من مقاومة الانقلاب إلى دعم مؤسسات الدولة
لم يقتصر دور الإصلاح، بحسب قياداته، على الجانب السياسي أو العسكري في مواجهة الحوثيين، وإنما اتجه أيضًا إلى دعم مؤسسات الدولة في المناطق المحررة.
وشارك عدد من الشخصيات المنتمية للحزب أو المحسوبة عليه في مواقع إدارية وتنفيذية ومحلية، وفي جهود إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والخدمية، إلى جانب المشاركة في العمل المجتمعي والإغاثي.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في محافظة حجة، التي شهدت سنوات طويلة من الحرب والنزوح وتراجع الخدمات، الأمر الذي جعل استعادة مؤسسات التعليم والصحة والإدارة والخدمات الأساسية جزءًا من معركة استعادة الدولة نفسها.
تجربة بين السياسة والمجتمع والمقاومة
تكشف قراءة مسيرة الإصلاح في حجة عن تجربة متعددة الأبعاد؛ فمن جهة كان الحزب جزءًا من الحياة السياسية والتنافس الانتخابي، ومن جهة أخرى امتد حضوره إلى التعليم والعمل الخيري والمجتمع المدني، ثم وجد نفسه في مرحلة لاحقة أمام واقع الحرب والانقلاب.
وهذه التحولات جعلت تجربة الإصلاح في المحافظة مختلفة عن صورتها في مرحلة ما قبل الحرب؛ إذ انتقلت الأولويات من التنافس على المواقع السياسية إلى الدفاع عن التعددية، ومن العمل الحزبي إلى دعم مؤسسات الدولة، ومن النشاط المجتمعي إلى مواجهة آثار الحرب والنزوح، ومن الانتخابات إلى معركة استعادة الجمهورية.
تحديات التجربة وآفاق المستقبل
ومع ذلك، فإن تقييم تجربة الإصلاح في حجة لا يكتمل من دون الإشارة إلى التحديات التي واجهها الحزب، وفي مقدمتها الاستقطاب السياسي، والحرب، وتوقف الانتخابات، والانقسام المجتمعي، وتراجع النشاط المدني، إضافة إلى حاجة الأحزاب اليمنية عمومًا إلى مراجعة تجاربها وتعزيز استقلال مؤسسات الدولة عن الاستقطابات الحزبية.
ويفرض المستقبل على الإصلاح، كما على بقية القوى السياسية اليمنية، أسئلة جديدة تتعلق بقدرته على الانتقال من مرحلة مقاومة الانقلاب إلى مرحلة بناء الدولة، وتعزيز الشراكة السياسية، وتجديد الخطاب، وتوسيع المشاركة الشبابية والنسوية، ودعم مؤسسات المجتمع المدني، والمساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية ومؤسسية.
خلاصة التجربة
تقدم تجربة التجمع اليمني للإصلاح في محافظة حجة نموذجًا لمسار سياسي واجتماعي امتد لأكثر من ثلاثة عقود، بدأ مع التعددية السياسية، وتوسع عبر المشاركة الانتخابية والعمل المجتمعي والتعليمي والخيري، قبل أن يدخل مرحلة جديدة مع تمدد الحوثيين إلى المحافظة عام 2012، ثم مقاومة الجماعة في حجور عام 2019، وصولًا إلى الانخراط في المعركة الوطنية الداعية إلى استعادة الدولة والجمهورية.
وبين المدرسة والمعهد والجمعية، ومبادرات الإصلاح الاجتماعي، والعمل السياسي والانتخابي، ومقاومة التمدد الحوثي، والمشاركة في دعم مؤسسات الدولة، تشكلت تجربة الإصلاح في حجة كجزء من تاريخ المحافظة السياسي والاجتماعي خلال العقود الثلاثة الماضية؛ وهي تجربة تحتاج إلى توثيق أكثر تفصيلًا، بعيدًا عن الاختزال في بعدها الحزبي وحده، وبالاستناد إلى الوثائق والشهادات والوقائع المحلية التي توثق مراحلها المختلفة.





