كتابات

سبتمبر.. يوم من الدهر صنعناه بأيدينا

حجة برس:

 

تخيل اليمن قبل السادس والعشرين من سبتمبر 1962..

 

بلدا تغلق العزلة أبوابه، ويولد فيه المرء وهو يعرف موقعه قبل أن يعرف حقه، ويكبر وهو يرى الحكم ينتقل داخل بيت واحد، والدولة تختصر في الحاكم، والتعليم حلما بعيدا عن أكثر الناس.

 

ثم تخيل تلك الليلة..

ليلة لم يكن الذين خرجوا فيها يعرفون ماذا سيكون عند الصباح، ولا كم سيدفعون من دمائهم، لكنهم كانوا يعرفون شيئا واحدا: أن اليمن لا ينبغي أن يبقى كما كان.

 

وحين جاء الصباح، لم تكن شمس الضحى وحدها هي التي أشرقت على اليمن؛ كان ثمة فجر آخر صنعه اليمنيون بأيديهم.

 

فلم يكن سبتمبر تغييرا لحاكم بقدر ما كان ثورة على زمن؛ على العزلة والاستبداد والجهل، وعلى الفكرة التي تجعل بعض الناس أحق بالسلطة من بعض. كان انتقالا باليمني من حال إلى حال، وبالوطن من سلطة تختصر في الحاكم إلى دولة يكون فيها الإنسان مواطنا له حق فيها وعليه واجب نحوها.

 

ولهذا، حين صاغ الثوار أهداف ثورتهم، لم يكتبوا أمنيات مترفة، وإنما كتبوا ما حرم منه اليمن طويلا: التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وبناء جيش وطني، ورفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وبناء مجتمع ديمقراطي عادل، وتحقيق الوحدة الوطنية، وترسيخ التعايش والسلام.

 

كانت تلك، في جوهرها، خريطة خروج اليمن من العزلة إلى الدولة، ومن الامتياز إلى المواطنة، ومن الإنسان التابع للسلطة إلى المواطن صاحب الحق فيها.

 

وماذا بقي من أولئك الرجال بعد أربعة وستين عاما؟

 

بقي أكثر مما تظن.

مضى رجال سبتمبر واحدا بعد آخر، لكن ما صنعوه لم يمض معهم؛ لأن أعظم آثار الثورات ليست ما تشيده من مبان، ولا ما تعبده من طرق، ولا ما تفتحه من مدارس فحسب، وإنما ما تحدثه في الإنسان نفسه.

 

وهذا هو إرث سبتمبر الأثقل: طفل دخل المدرسة، وشاب كبر وهو يعرف أن بلاده جمهورية، ومواطن ترسخ في وعيه أن الدولة ليست إرثا عائليا، وأن الوطن ليس ملكية خاصة، وأن حقه فيه لا يمنحه نسب ولا تسلبه منه سلالة.

 

فالرجال تمضي بهم السنون، أما الأفكار حين تستقر في وعي الشعوب، فإن اقتلاعها أصعب من إسقاط المؤسسات وتغيير موازين القوة.

 

غير أن التاريخ لا يمضي دائما في خط مستقيم.

ففي الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، سيطر الحوثيون على صنعاء، ثم امتدت سيطرتهم إلى مؤسسات ومقار للدولة، حتى بلغت الأزمة مطلع 2015 القصر الرئاسي، ووضع الرئيس عبدربه منصور هادي وعدد من المسؤولين تحت الإقامة الجبرية.

 

وعادت إلى الواجهة أسئلة ظن كثير من اليمنيين أن ثورتهم قد حسمتها منذ زمن: لمن تكون الدولة؟ وعلى أي أساس يكون الحكم؟ وأيهما يكون فوق الآخر: القانون أم القوة؟

 

لكن السيطرة على مؤسسات الدولة شيء، والسيطرة على ذاكرة شعب شيء آخر؛ ووضع اليد على مبانيها أيسر من محو معناها من عقول أجيال كاملة.

 

فالذين ولدوا بعد سبتمبر لم يعرفوا الجمهورية خبرا في كتاب، وإنما عاشوا في ظل فكرتها، وعرفوا، على ما شاب تجربتها من نقص وإخفاق، أن اليمني مواطن لا تابع، وأن السلطة شأن عام لا ميراث خاص.

 

قد تضعف الدولة، وقد تتغير موازين القوة، وقد تطول الحروب؛ لكن سبتمبر لم يفتح طريقا في الجبل حتى يردم بالتراب، بل فتح طريقا في عقل اليمني، والطريق الذي يفتح في الوعي أشد بقاء من الطريق الذي يشق في الأرض.

 

فإذا أردت أن تعرف ماذا بقي من سبتمبر بعد أربعة وستين عاما، فلا تقف عند صور الرجال الذين حملوا البنادق تلك الليلة، ولا عند الأناشيد التي تتردد في ذكراها.

 

انظر إلى ما وراء الصورة..

إلى الطفل الذي صار طبيبا، وإلى القرية التي دخلتها المدرسة، وإلى اليمني الذي عرف العالم وعرف نفسه، وإلى أجيال نشأت وهي تؤمن أن الوطن أكبر من أسرة، وأن الدولة أكبر من جماعة، وأن الجمهورية ليست هدية يمنحها حاكم لشعبه، وإنما حق شعب في وطنه.

 

وهنا يعود السؤال الأول، السؤال الذي بدأ منه كل شيء:

 

أي يمن نريد؟

يمنا تكون فيه الدولة للجميع والقانون فوق الجميع؛ دولة لا غلبة، ومواطنة لا امتياز، وعلم لا عزلة، وقانون لا سلاح، ومستقبل لا ارتهان للماضي.

 

ذلك هو سبتمبر..

يوم من الدهر صنعه اليمنيون بأيديهم، ومضى صانعوه، وبقي معناه.

واليمني الذي كسر القيد ذات سبتمبر، لا يعود إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى