أبناؤكم أمانة في أعناقكم
✍️ حميد نادر الداودي:
ليست الحالة الأولى، ولن تكون الأخيرة…
لأن الحوثي يتعامل مع من يزجّ بهم في المعارك باعتبارهم «زنابيل»؛ يرسلهم إلى المحرقة، فمن نجا نجا، ومن لم ينجُ فلا يعنيه أمره.
وكم من مقاتل شُيّع على أنه شهيد، وأُقيم له العزاء، ثم عاد إلى أهله حيًّا بعد سنوات، وكأن شيئًا لم يكن!
ومن الأمثلة التي عايشتها:
في هجمة عدن عام 2015، أُسر صالح بن هادي الداودي «أبو رمزي»، ثم أُبلغ أهله أنه استشهد، وظهرت صورته في سياق التشييع والعزاء.
وبعد نحو عام، طرق شخص باب منزل أهله.
سألوه: من؟
قال: أنا صالح.
قالوا: صالح من؟
قال: أبو رمزي.
فقالوا له: اذهب يا حاج، أبو رمزي استشهد!
فقال: والله أنا أبو رمزي.
فتحوا الباب، فإذا به أبو رمزي نفسه.
سألوه: كيف عدت؟
قال إنه كان أسيرًا لدى الشرعية، ثم أُطلق سراحه، وأُعطي ما يساعده على العودة إلى أهله.
ومثال آخر عايشته بنفسي عام 2022، أثناء صفقة تبادل محلية مع الحوثيين.
وبينما كنا ننتظر إتمام إجراءات الصفقة، تقدم إليّ أحد الأسرى، وكان من أبناء محافظة حجة، وقال:
«أعطني التلفون، أريد أن أتصل بعمي وأطمئن: هل ما زالت زوجتي في البيت أم تزوجت؟»
استأذنت مسؤول الصفقة، فأذن لي، وأعطيته هاتفي.
اتصل بعمه:
— ألو… السلام عليكم يا عمي، أنا يحيى.
فجاءه الرد:
— يحيى من يا ابني؟ يحيى قد قبرناه… كيف بعثت من جديد؟
قال له: والله يا عمي أنا يحيى، وذكر له تفاصيل وأسماء لا يعرفها إلا أهل البيت، حتى اقتنع عمه أنه أمام ابن أخيه الذي ظنوا أنه مات ودُفن.
سأله عمه: كيف خرجت؟
قال: «الجماعة هؤلاء تجملوا فيّ وأدخلوني في الصفقة، وجماعتنا رفضوا».
تمت الصفقة، وسلمنا الأسرى، واستلمنا أسرانا.
وقبل أن يفارقني يحيى قال لي:
«والله لو أن عمي أنزل لي عيالي، ما أرجع معهم».
وبعد ثلاثة أيام، فوجئت باتصال من رقم غريب:
— السلام عليكم.
— وعليكم السلام، من معي؟
— معك يحيى.
— أهلًا يا يحيى، وصلت البيت؟
— الحمد لله، وصلت.
قلت له: الحمد لله على سلامتك، وكيف اتصلت بي؟ ومن أين حصلت على رقمي؟
قال: أخذته من هاتف عمي يوم اتصلت به من تلفونك.
ثم قال:
«أنت داري من أين أتصل بك الآن؟»
قلت: من أين؟
قال:
«من فوق القبر حقي… بكرت اليوم أزور نفسي!»
ضحكت، ثم سألته: وكيف تشوف قبرك؟
قال: «من فوق مخضر، ومن تحت الله أعلم كيف، والله يعلم من بداخله».
وسألته عن الحوثيين، ماذا فعلوا عندما رأوك حيًّا؟
قال: «ولا تكلموا، ولا حتى زاروني».
هذه ليست قصة واحدة، ولا حادثة عابرة.
كم من شاب شُيّع على أنه شهيد وهو حي؟
وكم من أسرة أُبلغت بمقتل ابنها ثم عاد إليها؟
وكم من أم ذاقت مرارة الفقد، ثم اكتشفت أن ابنها كان حيًّا؟
واليوم، لا يكتفي الحوثي بتغييب هذا الطفل عن أبويه، بل يعود ليفجعهما بخبر موته، حتى يأتي التطمين من الجيش:
«طمنوا أم هذا الطفل… ابنها بخير».
كم من القصص، وكم من الفواجع، وكم من المآسي التي صنعتها هذه الحرب، وصنعها الحوثي ومشرفوه، بينما يدفع الأبناء الثمن.
لذلك نقول لكم اليوم:
يا آباء هؤلاء الأبناء، ويا أمهاتهم، ويا أهلهم:
أبناؤكم أمانة في أعناقكم.
فحافظوا عليهم، ولا تلقوا بهم إلى التهلكة، ولا تجعلوا منهم وقودًا لمحارق الموت المحقق.
فالحياة التي وهبها الله لأبنائكم ليست ملكًا لمشرف أو قائد ميداني يتاجر بالشعارات ويرسلهم إلى الموت.
احفظوا أبناءكم… قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.
تحياتي لكم.





