حين يرانا أشقاؤنا بعيون إيرانية!
✍️ علي الجرادي:
لا يزال بعض الساسة والإعلاميين من أشقائنا العرب ينظرون إلى القضية اليمنية من منظور صراع إيران مع أمريكا وإسرائيل، ويختزلون مأساة اليمنيين في حسابات هذا الصراع، متجاهلين أن القضية اليمنية، في جوهرها، قضية شعب أُسقطت دولته، وانتهكت سيادته، وصودرت حريته وكرامته.
ويرون في إيران، انتقائياً، مواجهتها مع أمريكا وإسرائيل، ويتناسون عمداً دورها في تدمير أربع دول عربية، وإيغال المليشيات المرتبطة بها في دماء ابناءها ، تمهيداً لمشروع الهيمنة الإقليمية الذي كان ولا يزال حلماً يراودها.
وفيما ينشغل هؤلاء بتلميع قدرة إيران العسكرية وشعاراتها الخارجية، يغيب عنهم ما يعانيه نظامها من أزمات عميقة وتناقضات داخلية متراكمة، وما ألحقته سياساته من دمار بالدول والمجتمعات العربية.
يتم تنميط المملكة العربية السعودية كحليف للغرب، وللأمريكان على وجه التحديد، وهو استنتاج أقرب إلى التعميم الساذج عند فحص الحقائق.
فالمملكة العربية السعودية رفضت التطبيع بالشروط الأمريكية والإذعان لمشروع أبراهام، وتمسكت بموقفها المعلن بشأن قيام الدولة الفلسطينية.
المملكة العربية السعودية اليوم تكاد تكون الدولة العربية القائدة للمشروع العربي في دعم الدولة الوطنية العربية، من سوريا إلى السودان إلى اليمن، في وجه المليشيات والمشاريع التي تقوّض سيادة الدول ومؤسساتها.
وهي كذلك تتصدى سياسياً ودبلوماسياً لمشاريع الهيمنة الإسرائيلية، وتواجه النفوذ الإيراني الذي يسعى إلى إخضاع الدول العربية عبر المليشيات المسلحة.
فهي تواجه المشروعين الإيراني والإسرائيلي في الوقت ذاته، وإن اختلفت طبيعة المواجهة وأدواتها.
في القضية اليمنية، قامت مليشيات الحوثي المدعومة من إيران بإسقاط الدولة اليمنية عام 2014، وتدخلت المملكة العربية السعودية عسكرياً وإنسانياً لصالح الدولة اليمنية.
فأي خطأ في ذلك ارتكبته المملكة، يا أشقاءنا العرب؟
هل كان يسركم أن تترك المملكة إيران تستولي على اليمن، لمجرد أن إيران ترفع شعار مواجهة أمريكا وإسرائيل؟
هذا هو الشعار الذي جعلت منه إيران مسوّغاً لتدمير أربع دول عربية، وتقويض مؤسساتها الوطنية عبر مليشيات طائفية مسلحة، ارتكبت جرائم واسعة من القتل والتهجير والتعذيب والتفجير، وخلّفت مآسي إنسانية هائلة.
وهنا نسألكم: هل أصبحت مواجهة إسرائيل صك براءة، مهما ارتكب من جرائم بحق الشعوب العربية ؟
إن الانتصار للقضية الفلسطينية لا يتناقض مع الانتصار لليمن، والدفاع عن سيادة الدول العربية وكرامة شعوبها لا يتجزأ.
هل تعلمون، أيها الأشقاء العرب الذين لم نخذل قضاياكم العادلة يوماً، أن مليشيات الحوثي أسقطت الدولة، واعتدت على الهوية العربية والإسلامية للمجتمع اليمني، وفجّرت المساجد، وقتلت حملة القرآن، وارتكبت من الجرائم والانتهاكات ما يعيد إلى الأذهان فظائع المليشيات الطائفية في سوريا؟
كم تريدون من الدماء والدموع حتى تستفيقوا من انحيازكم لإيران ومليشياتها على حساب أشقائكم؟
هل تعلمون أن ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة المليشيات يعانون من انقطاع الرواتب منذ سنوات طويلة، بينما تجني المليشيات إيرادات هائلة وتوظف موارد الدولة لخدمة مشروعها العسكري والسياسي؟
وهل تعلمون، أشقاءنا العرب، أن مختطفين ومعتقلين في سجون مليشيات الحوثي تعرضوا للتعذيب حتى الموت، وأن بعض الناجين خرجوا بإعاقات دائمة وآثار جسدية ونفسية جسيمة؟
ولماذا تعمى أبصاركم عن رؤية مليشيات الحوثي وهي تحاصر مدينة النور والبندقية، مدينة تعز، التي يعيش فيها نحو مليوني إنسان، وتفرض على سكانها حصارا على الحركة وطرق الإمداد، وتمنع عنهم ضرورات الحياة؟
أليست هذه الجرائم والانتهاكات جديرة بمواقفكم وإداناتكم، كما تدينون الجرائم التي ترتكب بحق الشعوب الأخرى؟
لقد أسقط الحوثي الدولة بكل ما تعنيه من كرامة وأمن واستقرار وسيادة، واعتدى على هوية المجتمع ومؤسساته وحرياته.
كيف تنحازون لمليشيات طائفية مدمرة، تساوقاً مع شعارات دمرت بلداننا ودولنا؟
إن تجاوزكم لجراحاتنا وآلامنا، يدمينا ويزيد من آلامنا.
كنا نتوقع أن بعضكم مغيّبون عن فهم الحقائق، لكن إصرار البعض على التخندق مع إيران ومليشياتها، على حساب عودة الدولة الوطنية واستقرار شعوبها، يضع علامات استفهام كبيرة حول طبيعة هذه المواقف ودوافعها.





