كتابات

حكايتي مع الفقيه الراجح… عبدِالله(رحمه الله)

الدكتور/عبدالحميد الأشول “رئيس إعلامية الإصلاح بحجة”:

…….

لم يكن رحيل الداعية والمربي الفاضل الأستاذ عبدالله علي راجح، أحد أبرز القامات العلمية والتربوية، والهامات الوطنية في محافظة حجة حدثا عابرا، إنما يمثل لكل من عرفه فاجعة تختصر في طياتها غياب مدرسة كاملة من العطاء والتربية والتوعية والإصلاح.

 

عرفته مذ كنت في سن السابعة عشر من العمر، في أثناء دراستي بالمرحلة الثانوية بمعهد النور العلمي بوكية مديرية المغربة، حين كانت الإجازة الصيفية بالنسبة لي وللكثير من زملائي فرصة للعمل والجد، وليست وقتا للراحة والخمول والبحث عن الملاهي والحدائق التي لا وجود لها أصلا في بيئتنا، كانت الإجازة الصيفية تمثل لنا موسما للكفاح والسعي وبذل الجهد.

 

كنا نسافر عند حلول الإجازة الصيفية إلى بلاد الشرفين، إلى بعض قرى مديريتي المفتاح والمحابشة، كحال كثير من أبناء المجتمع في تلك الفترة؛ نبحث عن عمل يعيننا على مواصلة دراستنا، لنخفف – ولو جزءا من أعباء الحياة – عن كاهل أسرنا، ونغطي بعض احتياجاتنا الشخصية ، وهناك، وفي تلك البقاع، منذ أكثر من ثلاثين عاما بدأت أولى ملامح معرفتي ولقائي بذلك الرجل العالم الزاهد العارف الداعية والمربي الفاضل الصالح والمصلح الاستاذ عبدالله بن علي راجح في بيته، في قرية اعتقد ان اسمها ( شعلان ) بجوار منطقة مذروح؛ رعى الله أهلها وابناءها الطيبين.

 

بعد بحث متواصل عن العمل ولمدة أسبوع كامل وتنقل بين مناطق (القرى، والوعلية، والمفتاح، وعلكمة) استقر بي المقام في منطقة مذروح ويالها من منطقة حيوية ،شعرت فيها بأني شخصية جديدة في حاضنة منحتني التقدير والاحترام كإنسان له قيمته وليس كشخص محصور بين عامل ملازم للفأس في المزرعة والفراش في المكان المزري الذي يأوي إليه العامل للنوم طوال فترة عمله .

 

وما إن استقر بي المقام فيها حتى تعرفت علي الكثير من الناس من خلال حرصي على حضور صلاة المغرب والعشاء في الجامع الكبير وسط منطقة مذروح ، وبحكم امكانياتي المعرفية المتواضعة وخلفيتي الثقافية الموروثة من مناهج المعاهد العلمية – عليها وعلى مؤسسها ورجالها وداعميها رضوان الله صبحا وعشية .

 

طلب مني بعض زملائي العمال أن ألقي خاطرة في المسجد بين المغرب والعشاء، وشعرت باهتمام وتفاعل كبير من قبل إمام المسجد عليه – رحمة الله – كان شيخا تجاوز عمره 120 سنة حينها. فبعد أن سمعني في اليوم الأول كان يلح علي ويشجعني على إلقاء الخواطر والدروس ، بدافع الحماس ونشر الوعي بين العمال والرغبة في فعل الخير. ولم يمر وقت طويل حتى بلغ ذلك الأداء المتواضع مسامع الأستاذ القدير عبدالله راجح، الرجل الأول ورائد الفكر والإصلاح والتغيير في قضاء الشرفين الذي كان يهمه سلامة كلما يقال؛ خوفا من تعبئة المجتمع بالأفكار المنحرفة .

 

أرسل لي رسالة عبر بعض إخوانه ممن كانوا يرتادون المسجد أن اكون ضيفا عليه في داره؛ للتعرف علي من جهة، والأهم من ذلك معرفة الفكر الذي أحمله خاصة في تلك المناطق التي يخشى رجالها الخيرون وأهلها الوطنيون من انتشار الفكر الطائفي والمذهبي الشيعي الذي عانوا من آثاره ودفعوا تضحيات كبيرة وأنجزوا خطوات جبارة في نشر الوعي وتحصين الجيل من خلال مناهج المعاهد العلمية ورعاية الجيل في المحاضن التربوية والمناشط الثقافية العامة .

 

دعاني ذلك العالم الرباني الجليل إلى مؤدبة الغداء يوم الجمعة، أخذ معي في الحديث وأعطى، وتعرف علي عن قرب وسألني عن بلادي ومستوى تعليمي وأسباب ترك بلادي في هذه السن المبكرة بحثا عن العمل، وأشاد بخواطري المسجدية بطريقة إيجابية عزز فيها ثقتي بنفسي وشجعني على مواصلة التعليم والمعرفة ، ثم دعاني إلى حضور مجلسه الفكري والتربوي العامر الذي كان يعقد في اليوم ذاته ويحضره رواد التغيير وقادة الإصلاح وأساتذة العمل الدعوي في قضاء الشرفين بشكل أسبوعي وهم كثر لا يسع المقام لذكرهم في هذا المقال اصبحوا قيادات إصلاحية حاضرة لها دورها وأثرها على مستوى المحافظة والجمهورية، حفظهم الله وأطال الله في أعمارهم وبارك في أعمالهم.

 

كان مجلسه عالَما آخر… مكتبة واسعة تحيط بجدرانها الكتب من كل جانب، وحضور نوعي من أهل العلم والفكر والثقافة والتربية والإصلاح . هناك، شعرت أنني أدخل إلى فضاء مختلف، فضاء تصنع فيه العقول وتبنى فيه القيم. لم يكن مجرد مجلس، بل كان مدرسة حية، ومنارة إشعاع ، كنت مدركا أهمية هذا اللقاء، مستشعرا بثقل حجم هؤلاء القادة الكرام الذين زرعوا الثمار وحصدوا النتائج في مختلف مناطق الشرفين .

 

تعلمت منه ومن مجلسه العلمي الأسبوعي الكثير، بل أكثر مما كنت أدرك في حينه. كان يوم الجمعة بالنسبة لي يوما استثنائيا، يوم نقاهة روحية وفكرية وجولة سياسية اعرف فيها وضع العالم ، أنتظره بشغف، يوم استثنائي لا يشبهه يوم. كان يقربني منه، ويجلسني إلى جواره، ويغمرني بكرم أخلاقه، ويحدثتي حتى في التفاصيل البسيطة التي كانت تحمل في طياتها معاني الأبوة والاحتواء.

 

وكان يحدثني… يحدثني كثيرا عن معاناته وهمومه وما يلاقيه من جفوة المناوئين له المدركين لتأثيره في المجتمع خاصة اولئك الشيعة الروافض الذين تعمموا لباس الجمهورية وواصلواغرس خنجرهم المسموم وسط المجتمعات المحيطة؛ لكره كل عمل خير وتغيير وصلاح فيه.

 

كان مهتما بي لدرجة أنه كان يشركني في نشاطه الدعوي ، ويدعوني لحضوره، قال لي يوما: بإذن الله سألقي درسا في الجامع التي تلقي أنت فيه الخواطر وأريدك أن تحضر للاستماع والإفادة ، كان لهذه الدعوة وقعها في نفسي ، إذ كيف لعامل بسبط ينال شرف هذه الدعوة الكريمة من عالم جليل بججم الأستاذ عبدالله راجح الذي له مكانته وحضوره الدعوي الكبير .

 

كان درسه عن الصلاة وأهميتها في حياة المسلم، القاه بين المغرب والعشاء لمدة ساعة كاملة ، كأنما يغرف من بحر ، لا تمل حديثه. ولا تشعر معه بطول وقت، كان عالما مثقفا ملما بتفاصيل كثيرة خاصة العلم الشرعي ، كيف لا وهو خريج الجامعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية الشقيقة على ما أذكر.

 

ومن خلال مهمته الرسمية التي كلف بها في مجال التربية والتعليم على مستوى قضاء الشرفين عامة ؛ كان يحمل هما كبيرا، أكبر من أن يستوعبه شاب في مثل سني آنذاك. كان متواضعا إلى حد كبير يصعب وصفه، فقد كان يجلس أكثر من مرة معي ليحكي لي عن معاناة الطريق الشاق، وعن التحديات التي يواجهها في سبيل الإصلاح والتغيير واستيعاب المجتمع وتنويره، وعن الصعوبات التي تعترض كل من يسعى لبناء وعي أو تغيير واقع الجيل في تلك المنطقة التي كان يحيط بها الفكر الشيعي من كل اتجاه.

 

كان عقله واسعا، ورؤيته عميقة، وكلماته مليئة بالألم والأمل معا، وكنت أشعر بذلك ، لكنني، بصراحة، لم أكن استوعب كل ما يقول، ولم أكن اعلم عمق آهاته وزفراته. كنت أسمع وأصغي جيدا لكن الفهم الحقيقي في ذاكرتي لم يكن بحجم المستوى الذي يتطلع فيه وإليه، حتى أدركت لاحقا ومع مرور الأحداث كم كان ذلك الرجل عظيما يعيش قضية مجتمع، وهم جيل. ويحمل وطنا في قلبه، واملا لمستقبل جيل واع بين جوانحه.

 

واليوم، بعد رحيله، تتضح الصورة أكثر، ويزداد الشعور بالفقد عمقا. لم نفقد مجرد داعية أو مرب أو مصلح تربوي واجتماعي، بل فقدنا مدرسة معاصرة من مدارس التغيير المؤثرة، ومركزا من مراكز الإصلاح الفاعلة، فقدنا إنسانا كان يمثل ضميرا حيا، وعقلا واعيا، وروحا مخلصة سعت بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على المجتمع، وتماسكه، ووحدته. والحفاظ على هويته ، وفكره من الانحراف الطائفي البغيض.

 

رحم الله الأستاذ العالم الجليل والمربي القدوة عبدالله علي راجح، فقد كان رجلا أكبر من أن يختصر في كلمات، وأثرا أبقى من أن يمحى بغياب. سيظل حيا في ذاكرة من عرفه، وفي نفوس من تعلموا منه، وفي كل أثر طيب زرعه في هذه الحياة.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن دعوته وتربيته وإصلاحه خير الجزاء.

عزائي لأبنائه وإخوانه وأسرته وطلابه ومحبيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى