بين الجريمة والسياسة: كيف تُصان هيبة الدولة؟
✍️ أمة الرحمن عارف:
في القضايا الكبرى، لا تبقى الجريمة مجرد واقعة جنائية، بل تتحول إلى اختبار لقدرة الدولة على فرض النظام وحماية المجتمع. وجريمة اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر تندرج ضمن هذا النوع من القضايا، إذ يتجاوز أثرها حدود الضحية ليطال ثقة الناس بمؤسسات الدولة.
إعلان القبض على عدد من المتورطين خطوة مهمة تعكس جاهزية الأجهزة الأمنية وقدرتها على التحرك في الوقت المناسب. مثل هذه الإجراءات تعزز الانطباع بوجود مؤسسات قادرة على ملاحقة الجناة وعدم ترك القضايا الحساسة دون مساءلة، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.
غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تمثل نهاية المسار. ففي مثل هذه الجرائم، غالبًا ما يكون المنفذون حلقة ضمن سلسلة أوسع، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة: من خطط؟ من موّل؟ ومن يقف خلف المشهد بالكامل؟
حصر المعالجة في حدود المنفذين قد يحقق جانبًا من العدالة، لكنه لا يمنع تكرار الجريمة، وقد يتيح للجهات الأكثر خطورة الاستمرار بعيدًا عن المساءلة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على الوصول إلى الفاعلين المباشرين، بل يمتد إلى تفكيك الشبكة التي تقف وراءهم وكشف خيوطها كافة.
عند هذه النقطة، يتجاوز الأمر البعد الجنائي ليأخذ بعدًا سياسيًا واضحًا. فالجهات التي تخطط أو تموّل مثل هذه الجرائم لا تستهدف فردًا بعينه، بل تضرب في صميم وظيفة الدولة وتسعى إلى إرباكها وإضعاف قدرتها على فرض النظام. وهذا ما يجعل التعامل مع هذه القضايا جزءًا من معركة أوسع تتعلق بهيبة الدولة واستقرارها.
الدولة، في هذا السياق، مطالبة بأكثر من مجرد رد فعل؛ عليها أن تذهب إلى جذور الجريمة. كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تورط دون استثناء، هو ما يصنع الفارق بين معالجة مؤقتة وترسيخ فعلي للأمن. فالتهاون مع الجهات المدبرة لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها، بل قد يكون أشد أثرًا على المدى البعيد.
في المقابل، لا ينظر المواطن إلى هذه القضايا من زاوية قانونية بحتة. ما يعنيه أولًا هو الشعور بالأمان؛ أن يثق بوجود دولة قادرة على حمايته، وأن حياته ليست عرضة للاستهداف، وأن العدالة لا تتوقف عند حدود معينة.
هنا يلتقي حق الدولة بحق المواطن؛ فالدولة معنية بصون هيبتها ومنع أي اختراق يهددها، والمواطن معني بالعيش في بيئة مستقرة يشعر فيها بالأمان. ولا يتحقق ذلك إلا حين تصل العدالة إلى كل من شارك في الجريمة، لا إلى من نفذها فحسب.
في المحصلة، لا تُقاس قيمة ما جرى بعدد من تم القبض عليهم، بل بقدرة الدولة على استكمال الطريق حتى نهايته. الوصول إلى من خطط وموّل وأصدر الأوامر هو الاختبار الحقيقي. عندها فقط يمكن القول إن العدالة أخذت مسارها الكامل، وإن الدولة نجحت في تثبيت حضورها كضامن لأمن المجتمع، لا كجهة تلاحق النتائج.
ويبقى السؤال المشروع: هل ستتوقف القضية عند حدود المنفذين، أم تمضي الدولة أبعد من ذلك لكشف كل من يقف خلف الجريمة، وتؤكد أن المرحلة القادمة هي مرحلة استعادة الدولة وفرض هيبتها؟





