كتابات

معركة إنقاذ المستقبل

✍️ ناجي أبوزينه:

 

المراكز الصيفية الحوثية، تفخيخٌ للعقول، وتمزيقٌ للروابط الأسرية والاجتماعية، ونسفٌ للتعايش، وهدمٌ للحاضر والمستقبل، وتشجيعٌ للجريمة

 

ليست المراكز الصيفية الحوثية مجرّد أنشطةٍ تعليمية أو برامجَ تربوية كما يُراد تصويرها، بل هي معاملُ مغلقة لإعادة تشكيل الوعي، وتجريف الفطرة، وصناعة أجيالٍ مشبعةٍ بالكراهية، منزوعٍ منها التفكير الحر، ومسلوبةِ الإرادة والبصيرة.

 

إنها مشروعٌ يستهدف عقل الطفل قبل جسده، ووجدانه قبل سلوكه؛ فيُغرس فيه منذ الصغر أن المجتمع طبقات، وأن السلالة فوق البشر، وأن الطاعة العمياء دين، وأن الاعتراض خيانة، وأن المخالف عدوٌّ تجب عداوته، بل ويُتقرَّب إلى الله ببغضه واستباحته. وهكذا يتحوّل الدين من رسالة هداية ورحمة إلى أداة تعبئةٍ وصناعة صراع، ومن وسيلةٍ لبناء الإنسان إلى وسيلةٍ لهدمه من الداخل.

 

في تلك المراكز لا يُربّى الناشئة على العلم، بل على الجهل المركّب؛ لا يُعلَّمون كيف يفكّرون، بل كيف يُلغون عقولهم، ويستسلمون للخرافة المؤدلجة، حتى يصبح الباطل في أعينهم حقًّا مقدسًا، ويغدو الوهم عقيدة، والتعصّب فضيلة، والكراهية ولاءً وإيمانًا.

 

ومن أخطر نتائج هذا المشروع أنه لا يكتفي بتمزيق وعي الفرد، بل يعمل على تمزيق الأسرة والمجتمع معًا؛ فيزرع الشك بين الأب وابنه، ويجعل الولاء للجماعة فوق الولاء للأسرة والوطن، ويحوّل المجتمع إلى بيئة مشحونة بالأحقاد والتصنيفات السلالية والطائفية، فتنهار قيم التعايش، وتتآكل روابط المحبة والثقة، ويُستبدل الانتماء الوطني بولاءٍ ضيقٍ قائم على التقديس الأعمى.

 

ولم يعد الأمر مجرد تخوّفاتٍ نظرية، بل أصبح واقعًا مريرًا تشهد به آلاف الوقائع والمآسي؛ فقد رأى الناس كيف تحوّل كثيرٌ ممن خضعوا للدورات الثقافية والتعبئة الطائفية إلى أدوات عنفٍ فاقدةٍ لبوصلة الرحمة والفطرة، حتى امتدت أيدي بعضهم إلى آبائهم وأمهاتهم، وإخوانهم وأزواجهم وأقاربهم، أولئك الذين كان الواجب الشرعي والإنساني يقتضي برَّهم ورعايتهم وصون دمائهم، فإذا بالتعبئة المسمومة تنزع من القلوب معاني الرحمة، وتستبدلها بالقسوة والطاعة العمياء والكراهية العميقة.

 

وحين يُفخَّخ عقل الإنسان بعقيدة الاستعلاء والتقديس الأعمى، يصبح مستعدًا لأن يرى أقرب الناس إليه أعداءً إذا خالفوا الجماعة أو رفضوا الانصياع لها. وهنا تبلغ الكارثة ذروتها؛ إذ يتحوّل البيت الواحد إلى ساحة صراع، والأسرة إلى ضحية، والمجتمع إلى كتلٍ ممزقة يسودها الخوف والريبة والعداء.

 

والمأساة الأعظم أن هؤلاء الأطفال الذين كان ينبغي أن تُمسك أيديهم بالأقلام، ويُفتح لهم طريق العلم والمعرفة والحياة الكريمة، أصبحوا يُدرَّبون على حمل الكلاشينكوف والرشاش، ويُلقَّنون ثقافة الحرب بدل ثقافة الحياة. فبدل أن تمتلئ أيامهم بالمدارس، والمنتزهات، والرحلات البريئة، ومساحات الفرح والترويح، يُزجُّ بهم ـ ويا للأسف ـ إلى محارق الموت، وجبهات القتال، غير عابئين بمصيرهم، ولا بدمائهم، ولا بأحلامهم التي تُدفن قبل أن تولد.

 

يُنتزع الطفل من مقاعد الدراسة ليُدفع إلى ساحات القتال، ويُحرَم من حقه في الطفولة ليُستخدم وقودًا لمعارك لا يدرك حقيقتها، في واحدةٍ من أبشع صور استغلال الطفولة والاتجار ببراءتها وعقولها.

 

إن مشروعًا يقوم على احتقار العقل، وتقديس السلالة، وتعبئة الأطفال بثقافة العنف والموت، لا يمكن أن يبني وطنًا، ولا أن يصنع مستقبلًا، بل لا ينتج إلا أجيالًا ممزقة نفسيًا وفكريًا، يسهل دفعها إلى ساحات الصراع والجريمة والاقتتال.

 

فالمجتمعات تُبنى بالعلم، والوعي، والعدل، واحترام الإنسان، لا بالخرافة، ولا بالاستعلاء العرقي، ولا بتحويل الأطفال إلى أدوات حربٍ ومخازن للكراهية.

 

ولهذا فإن مواجهة هذا المشروع ليست معركةً سياسية فحسب، بل معركة وعيٍ وهويةٍ وإنسانية؛ معركة لحماية عقول الأطفال، وصيانة الدين من التحريف، وحفظ المجتمع من الانقسام، وإنقاذ المستقبل من الضياع.

والله المستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى