كتابات

اليمن بين مطرقة الحرب وسندان طمس الهوية

✍️ الدكتور محمد معكفي:

​منذ أن أطلت المليشيات الحوثية برأسها على المشهد اليمني، لم يكن مشروعها مجرد صراع سياسي على السلطة، بل كان ولا يزال مشروعاً تدميرياً شاملاً يستهدف جرف أسس الدولة اليمنية، وضرب نسيجها الاجتماعي، وتغيير هويتها الثقافية والدينية، فلم تكتفِ هذه الجماعة بالسيطرة على الأرض بقوة السلاح، بل شنت حرباً أعمق وأخطر على العقول والأرواح.

​ وسعت منذ اليوم الأول لتفخيخ تعايش اليمنيين، عبر فرض لون واحد وفكر مستورد غريب عن المجتمع اليمني، حيث استهدفت العقيدة الصافية وحولتها إلى أداة للتعبئة الطائفية، وحاولت استبدال الهوية الوطنية اليمنية الإسلامية بهوية طائفية ضيقة، وفرضت طقوساً وشعارات لا تمت لثقافة اليمنيين بصلة، في محاولة يائسة لفصل اليمن عن محيطه العربي وعمقه التاريخي.

 

ولعل الجريمة الأبشع التي ترتكبها هذه المليشيات هي جريمتها بحق الطفولة والأجيال القادمة، حيث عمدت إلى تحريف المناهج الدراسية وتسميم العقول بمعتقدات تمجد الموت والقتال وتقديس الأشخاص، وتحولت المدارس والمراكز الصيفية من محاضن للعلم والمعرفة إلى معسكرات لغسل الأدمغة وتخريج المقاتلين، ونحن نعلم جيداً أن تجنيد الأطفال والزج بهم في محارق الموت هو استنزاف لأثمن ما يملكه اليمن: شبابه ومستقبله.

​
إن طبيعة هذه المليشيات قائمة على فكرة الصراع المستدام؛ فهي تتغذى على الأزمات ولا تستطيع العيش في بيئة السلام، وتاريخها عبارة عن سلسلة من الحروب التي لا تنتهي، فكلما لاحت في الأفق فرصة لإنهاء نزيف الدم اليمني، افتعلت أزمات جديدة وفتحت جبهات أخرى، وقد تسببت آلة الحرب الحوثية في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، من سفك للدماء، وتفجير للمنازل، وتشريد للملايين، ومصادرة للأقوات والأرزاق.
​الواجب الوطني والتاريخي لليمنيين
أمام هذا التجريف الممنهج، يقع على عاتق كل يمني ويمنية واجب وطني وأخلاقي لا يقبل التأجيل:

١- ​التمسك بالهوية والوعي: المعركة الأولى هي معركة الكلمة والوعي. يجب تحصين الأسرة والأطفال من الأفكار الدخيلة، والتمسك بقيم الجمهورية، وتعزيز الانتماء لليمن وتاريخه الحضاري العريق.

٢- ​الحفاظ على أبناءنا وفلذات أكبادنا من أن تتخطفهم هذه المليشيات الإجرامية أو أن تزج بهم في حروبها التي لا تنتهي، (كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته….. والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم)

٣- ​دعم مؤسسات الدولة: الالتفاف حول المشروع الوطني المتمثل في استعادة الدولة ومؤسساتها الشرعية، ودعم كل الجهود المخلصة الرامية لإنهاء الانقلاب وبناء يمن يتساوى فيه الجميع تحت مظلة القانون.

٤- ​توثيق الجرائم وفضح الانتهاكات: يجب ألا تُنسى دماء الشهداء وأنات المخفيين قسراً، فتوثيق هذه الجرائم ونقل صوت المظلومين إلى العالم هو جزء من المعركة الحقوقية لضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب.

​اليمن يمر بمخاض عسير، لكن التاريخ يشهد أن هذا البلد العظيم، الذي قهر الغزاة وتجاوز أعتى المحن، قادر على أن ينفض عنه غبار هذه الحقبة المظلمة، فقوة اليمنيين في إرادتهم، ولا بد لليل أن ينجلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى