مأرب: الدبلوماسية الفاعلة وتحديات المستقبل
✍️ حسين الصادر:
جاءت زيارة سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية إلى محافظة مأرب، السيد توماس شنايدر منتصف الأسبوع الحالي ، في إطار الدبلوماسية الفاعلة لسلطة مأرب، ممثلةً باللواء سلطان العرادة، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب. وقد بذل اللواء العرادة جهودًا كبيرة لإنجاح هذه الزيارة، تمثلت في أن تكون زيارة غير تقليدية، لا تقتصر على اللقاءات خلف الجدران، بل شاملة ومفتوحة وبدون سقف، حيث شملت مختلف المجالات الإنسانية وقطاع الطاقة، إضافة إلى لقاءات مفتوحة مع النشطاء والجمهور المحلي في مأرب.
وسمحت السلطة المحلية بهذا السقف الكبير من الانفتاح، بغض النظر عن نتيجة التقييم من قبل الزائر، وهذه الخطوة في حد ذاتها تبين مدى الشفافية وأهميتها، وهي قيمة يؤمن بها اللواء العرادة.
تحتاج مأرب إلى مثل هذا الحراك الدبلوماسي الواسع بشكل مستمر، فاستمرار التواصل الدبلوماسي والإعلامي يمثل احتياجًا قائمًا لترسم مأرب صورتها في الذهنية العامة، لدى القريب والبعيد. وعندما تعجز مأرب عن رسم صورتها، فسيرسم الآخرون صورتها التي يتخيلونها ضمن أجنداتهم.
في عام 2018م زار محافظة مأرب وفد صحفي كبير، شاركت فيه وسائل إعلام غربية، وكان تقييم هذه الصحافة أن مأرب تمثل نموذجًا للجغرافيا المحلية الآمنة والمستقرة. وقد ساعد هذا الوضع في أن يكون نموذج مأرب أحد أهم العوامل التي أسهمت في تخفيف الأزمة الإنسانية على المستوى الوطني.
ربما تغيرت أمور كثيرة في مأرب والوطن منذ عام 2018م، غير أن أمرين ظلا ثابتين؛ أولهما اللواء سلطان العرادة، القائد الذي ظل يبذل جهودًا كبيرة، وربما وحيدًا في أحيان كثيرة، بهدف بناء نموذج مأرب المستقرة والمنفتحة والقابلة للشراكة على أوسع نطاق.
أما العامل الثابت الثاني فهو مأرب الأرض والإنسان؛ الأرض التي تتطلع إلى البناء والإعمار كمركز حضاري وتجاري وسيط، يسهم مستقبلًا في عملية الاستقرار والتنمية.
أما بالنسبة للإنسان في مأرب، فقد أثبتت المراحل الصعبة التي مرت بها بلادنا أنه إنسان متعايش ومضياف، يتألم عندما يتألم الوطن، ويشارك بكل ما أوتي من قوة في الذود عنه، ولست بحاجة إلى التوسع في هذا الجانب.
وبالمقابل، يجب أن تشعر الدولة عمومًا، وسلطة مأرب على وجه الخصوص، الإنسان في مأرب ـ وأقول الإنسان مرة أخرى ـ بوجود الدولة التي ضحى من أجلها، وأنها حاضرة كنموذج سلطة حيوية وفاعلة في الخدمات والشفافية والعدالة، وتحديث الإدارة قدر الإمكان، واعتماد معايير إدارية حديثة، وتقليص التقاسم التقليدي للمناصب لصالح الكفاءة، ضمن برنامج مزمن لإصلاح الإدارة.
ولا ضير من الاستعانة بمستشارين ذوي خبرة لبناء إدارة حديثة تستفيد من التقنيات المعاصرة، حيث أصبحت الإدارة الحديثة منظومةً مدمجة تجمع بين الفكر الإداري والتقنيات الحديثة. وعلى سلطة مأرب أن تخطو في هذا الاتجاه دون إضاعة مزيد من الوقت، كما أن الهيكل الإداري الحالي لم يعد يفي بالفاعلية المطلوبة، خاصة إذا استخدمنا مؤشر الموازنة دليلًا على القدرة الاستيعابية؛ إذ بلغت الموازنة المحلية لعام 2024م نحو 60 مليارًا، بحسب النشرة الإحصائية الرسمية لمكتب الإحصاء، ويرجع هذا الرقم المتدني إلى ضعف القدرة الاستيعابية للبنية الإدارية والتخطيطية.
ولتحقيق أهداف وطموحات الجمع الوطني المبارك في مأرب، يجب إعادة النظر في البناء الإداري والثقافي والإعلامي بروح الشراكة والمسؤولية الجماعية، بما يعزز عوامل الصمود في مواجهة الخطر الأيديولوجي المدمر، وبكل الوسائل الممكنة. وقد أثبت تاريخ الصراع أن مأرب كانت حاجز الصد الأول، وهو الحاجز الذي لم ينهَر، والقادر على الصمود مستقبلًا.
وهذا يقتضي تقييم المراحل السابقة؛ إذ انتشرت بعض السلبيات الإدارية، وربما جرى التغاضي عنها نتيجة ظروف الحرب، وكان الهم الأكبر هو النجاح في معركة الدفاع لتبقى مأرب. وقد بقيت مأرب برمزيتها التاريخية، وبرمزيتها في المعركة الوطنية، كجغرافيا صنعت التوازن في ميزان الصراع، على الرغم من الجحود الذي تواجهه من البعض.
ولعبت وحدة مأرب المحلية، سياسيًا واجتماعيًا، دورًا فاعلًا، وبفضلها استطاعت مأرب أن تؤدي هذا الدور الاستراتيجي في معادلة الصراع. وليس عيبًا أن نقول إن علينا المحافظة على هذه الوحدة والعمل على تجسيرها وتوسيع مساحتها بأكبر قدر ممكن. وربما نحتاج إلى تجاوز الثنائيات الاستقطابية والتعددية المحدودة التي سادت خلال عقود من الزمن، لأن الاستقطاب التقليدي حال دون تحول النضال المحلي والوطني إلى حركة جماهيرية واسعة، نتيجة عيوب بنيوية داخل النشاط السياسي العام بهياكله ومركباته، وهو الأمر الذي يجب أن يزول.
إن المستقبل مليء بالتحديات الكبرى، ولذلك يجب أن يعتمد مستقبلنا المحلي على شعار: «قائد واحد، ورؤية واحدة، وهدف واحد»، بما يمثل مصالح الأغلبية. وتحت هذا الشعار يمكن أن تتجاور المصالح وتتباين الرؤى، لكنها لا تتجاوز الإطار الجامع. ويجب أن يدرك الجميع أن التحدي المستقبلي الحقيقي هو معركة بناء نموذج محلي رشيد ومقتدر.





