العقيد صالح نادر… حكاية مقاتل لا ينكسر
حجة برس – تقرير – علي الحجوري:
في وقتٍ يفاوض فيه وفد الحكومة الشرعية مع ميليشيا الحوثي الإرهابية حول ملف الأسرى في مسقط، كانت أسرة الأسير العقيد صالح نادر الداودي قائد الكتيبة الأولى احتياط باللواء 13 مشاة ، تتلقى خبرًا صادمًا من نوعٍ آخر؛ لا إفراج، ولا صفقة تبادل، بل تسلُّم جثمانه بعد سنواتٍ من الأسر والتعذيب، في مشهدٍ يعكس الفجوة المؤلمة بين طاولات التفاوض وواقع السجون الحوثية.
لم يكن العقيد صالح نادر قد تجاوز عقده الثالث من العمر، لكنه كان أكبر من سنواته، وأثقل من أعمارٍ كثيرة عاشت دون قضية. شابٌ وهب عمره كلَّه للدفاع عن الوطن، وعن فكرٍ ومبدأٍ وقضيةٍ آمن بها، فاختار طريق المواجهة حين اختار غيره السلامة.
منذ حروب صعدة الست ضد مليشيا الحوثي، كان صالح نادر حاضرًا في ميادين القتال إلى جانب الدولة، يتقدم الصفوف بإيمان المقاتل لا بضجيج الشعارات. وحين اندلعت حرب حجور، ظلّ هناك لسنوات طويلة، من 2011 حتى 2019، يقاتل في الجبال والوديان، ثابتًا في مواقع النار، مدافعًا عن الأرض والناس، ومؤمنًا بأن الجمهورية لا تُحمى بالكلمات، بل بالتضحيات.
ومن جبال حجور، حيث اشتعلت واحدة من أشرس معارك الدفاع عن الجمهورية، خاض العقيد صالح نادر الداودي القتال بشجاعة نادرة، متنقّلًا بين الجبهات، ثابتًا في المواقف، يقاتل بوعي المقاتل وإيمان الوطني. هناك، تشكّلت ملامح شخصيته الصلبة، وتبلورت تجربته القتالية.
لم تكن حجور محطةً عابرة في مسيرته، بل مدرسة قتال وصمود، ومنها انتقل إلى مأرب، حيث كانت المعركة أكثر وضوحًا، والخصم الحوثي أشدّ تطرفًا. في مأرب، واجه العقيد صالح نادر الداودي المدّ الطائفي الحوثي، مدافعًا عن فكرة الدولة، وعن التنوع اليمني في مواجهة مشروع السلالة، غير آبهٍ بالظروف الاستثنائية ولا بطول الطريق.
في الخامس من نوفمبر 2021، وقعت لحظة الغدر. أُسر العقيد صالح نادر الداودي في معركة الجوبة بمحافظة مأرب، لتبدأ فصولٌ مظلمة من الحكاية. لم يكن الأسر نهاية القصة، بل فصلها الأقسى؛ إذ تعرّض البطل، وفقًا لمصادر متعددة، إلى صنوفٍ مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، في محاولةٍ لكسر إرادته أو انتزاع ما لا يملكه إلا شرفه.
غير أن الجسد، وإن أُنهك، لم يخضع، وبقي العقيد صالح نادر وفيًّا لعهده الأول: أن لا يساوم، وأن لا ينكسر.
مرّت السنوات ثقيلة، والانتظار موجع، حتى سُلِّم جثمانه بالأمس، ليعود إلى أهله ورفاقه جسدًا متعبًا، لكنه مرفوع الرأس. عاد الأسير العقيد صالح نادر شهيدًا، بعدما أثبت أن المبدأ قد يُكلّف العمر، لكنه يمنح الخلود.
برحيل العقيد صالح نادر، لا تُطوى القصة، بل تبدأ. فالأبطال الحقيقيون لا يُختصرون في خبر، ولا يُدفنون في ذاكرة النسيان، بل يبقون شهودًا على زمنٍ قاوم فيه الشرف مشروع الظلام، وانتصر فيه الدم على السلالة.





