كتابات

حين يضيق الحوثي المساجد..

ضمير المنبر :

 

قال الله تعالى:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.

بيوتٌ أرادها الله أن تُرفع قدرًا ومكانة، لا أن تُخفض بالصراعات، وأن تكون موطن سكينة، لا ساحة مشاحنات،وملاذًا للمهموم، لا ميدانًا لتصفية الحسابات.

المسجد في وجدان المسلمين ليس جدرانًا ومحرابًا، بل صدرًا يتسع للجميع، وقلبًا يجمع ولا يفرق، ومكانًا يجد فيه المتعب راحته، كما قال النبي ﷺ: «أرحنا بها يا بلال» فالراحة هي الأصل، والطمأنينة هي الرسالة.

 

تحوّل مقلق

غير أن مشهدًا مؤلمًا يتكرر اليوم في بعض أو معظم المساجد في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، ويطرح تساؤلات موجعة:

كيف تحوّلت بيوت الله إلى بؤر توتر؟

كيف أصبح بعض المصلين يشعرون بأن عليهم إثبات انتمائهم قبل أداء صلاتهم؟

كيف ضاقت المساجد باختلاف فقهي عرفته الأمة قرونًا دون أن يمزّق صفوفها؟

لقد كان الاختلاف الفقهي عبر التاريخ سعة ورحمة، لا سببًا للفرقة… لكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا الاختلاف إلى أداة إقصاء، أو وسيلة لفرض رأي واحد بالقوة أو الهيمنة، حتى يشعر المخالف أنه غريب في بيت ربه.

 

بين الرسالة والهيمنة

المسجد لا يُدار بالغلبة، ولا يُحمى بالتخويف، ولا تُبنى رسالته على الإكراه.

فعندما يُفرض إمام لا يطمئن له الناس، أو تُقصى آراء معتبرة، أو تُتخذ إجراءات تخدم توجهًا واحدًا، فإن أول ما يُفقد هو روح المسجد… حتى وإن ظل البناء قائمًا.

 

حين تتحول النافلة إلى أزمة

من أبرز القضايا التي فجّرت حالة الاحتقان مسألة صلاة التراويح، نافلة درجت عليها الأمة قرونًا، تحوّلت في بعض الأماكن إلى ساحة شدٍّ وجذب، أحيانًا تُمنع بصورة مباشرة، وأحيانًا بطريقة غير مباشرة؛

كفرض برامج طويلة بعد صلاة العشاء تُثقل على الناس، ثم يُقال لهم: صلّوا بعد انتهاء البرنامج.

وهنا يبرز سؤال جوهري:

هل التربية تكون بالإرغام؟

وهل الدعوة تنجح بالتثقيل؟

ألم يكن الهدي النبوي قائمًا على التيسير لا التعسير؟

إن التضييق على الناس في نوافلهم لا يصنع التزامًا، بل يولد نفورًا، ولا يزرع قناعة، بل يترك غصة في الصدور.

الآثار المجتمعية للتضييق.

 

الوطن الذي لا تتسع مساجده لأبنائه، كيف يتسع لهم في ساحاته؟

والمكان الذي يفترض أن يكون جامعًا، إذا صار مفرقًا، فمن يجمع بعده؟

لقد أصبحت بعض المساجد خاوية إلا من قلة، لا لأن الناس تركوا الصلاة، بل لأنهم ابتعدوا عن أجواء فقدت السكينة التي يبحثون عنها.

وإذا خلت المساجد من أهلها، خلت القلوب من الطمأنينة.

وإذا تحولت المنابر إلى منصات اصطفاف، تفرقت الصفوف خارجها قبل داخلها.

قال الله تعالى:﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾.

وأخطر المنكرات أن يُرى الخطأ فلا يُراجع، وأن يُمارس التضييق فلا يُنصح، وأن يسكت العقلاء.

 

رسالة لا خصومة

لسنا أمام خصومة سياسية، بل أمام سؤال ديني وأخلاقي:

هل تبقى المساجد بيوتًا لله، أم تتحول إلى أدوات نفوذ؟

هل تبقى جامعةً لكل من قال لا إله إلا الله، أم تُختزل في رؤية واحدة؟

هذه الكلمات ليست شقاقًا، بل نصيحة، وليست تحريضًا، بل غيرة على قدسية المكان.

 

دعوا الناس يصلّون كما اعتادوا.

دعوا القلوب تخشع بلا امتحان.

دعوا الصفوف تلتئم بلا فرز.

فمن ضيّق على عباد الله في بيوته، عرّض نفسه لسؤال عظيم، ومن وسّع على الناس في طاعتهم، وسّع الله عليه.

 

المسجد الذي لا يحتمل اختلافًا فقهيًا يسيرًا، كيف سيحتمل آلام وطن كامل؟

والمكان الذي لا يتسع لركعتي نافلة، كيف يتسع لأحلام أمة؟

أعيدوا للمساجد سكينتها…قبل أن يسألنا التاريخ:

كيف ضاقت بيوت الله بأهلها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى