من الطفولة إلى ميادين الشرف.. حكاية الشهيد عبدالغني شعلان
حجة برس :
في ذكرى استشهاد القائد البطل عبدالغني شعلان، لا نستحضر سيرة رجلٍ فحسب، بل نستحضر مسار قائدٍ تشكّلت ملامحه على ثلاث مراحل: بذرة، ومسيرة، ورسالة خالدة.
المرحلة الأولى: قبل الكلية العسكرية – حين كانت القيادة فطرة
لم تُصنع قيادته في المعسكرات، بل وُلدت معه.
في طفولته كان يتقدّم الصفوف، يقود رفاقه في ألعابٍ كانت تشبه ميادين القتال المصغّرة، يختار أصعب المواقع لنفسه، ويترك ما دونها لغيره. لم يعرف التراجع، ولم يتعلّم يومًا أنصاف الحلول.
نشأ في بيتٍ بسيط، محدود الدخل، فعرف معنى الحرمان قبل أن يعرف معنى الطموح. لكن المعاناة لم تُضعفه؛ صقلته. كان ثابت الخطى في دراسته، واضح الهدف، صبورًا على ضيق الحال، حتى أتمّ الثانوية وهو يحمل حلمًا أكبر من واقعه.
تربّى على عقيدة راسخة، وتشرب قيم الانضباط من معلمين أفاضل قدموا من مصر والسودان والعراق واليمن ، فاجتمع له العلم والإيمان، والخلق والحزم. هناك، قبل أن تطأ قدماه أي كلية عسكرية، كانت شخصية القائد قد اكتملت: مبدأ لا يُساوَم، وهدف لا يتزحزح.
المرحلة الثانية: من الكلية العسكرية حتى الاستشهاد – حين تحوّلت الفطرة إلى مشروع وطن
شدّ رحاله إلى صنعاء، ملتحقًا بكلية الطيران مع أربعة من زملائه. الطريق كان شاقًا، والاختبار قاسيًا. تراجع بعضهم تحت وطأة المشقة، أما هو فازداد ثباتًا. صبر، وصابر، حتى تخرّج، ليكون أول خريجٍ من كلية عسكرية في قريته، رافعًا رأس أهله عاليًا.
بعد التخرج، لم تغيّره الرتبة، بل كبّرته المسؤولية.
كان حاضرًا في الميدان قبل أن يُنادى اسمه، سابقًا إلى مواقع الخطر، يرى في كل مهمة عهدًا شخصيًا بينه وبين الله ثم وطنه.
تلقّى دعمًا وثقة من قادة كبار أدركوا مبكرًا أنه مشروع قائد استثنائي، منهم العميد الركن يحي البحري واللواء الركن الشهيد عبدالرب الشدادي، واللواء الركن محمد سالم بن عبود الشريف، واللواء سلطان العرادة. فكان عند حسن الظن، بل تجاوز التوقعات.
في مأرب، لم يكن مجرد قائد وحدة؛ كان حالة أمنية متكاملة.
حيث وُجد الخوف زرع الطمأنينة، وحيث عمّت الفوضى أقام النظام، وحين شحّ القادة، تقدّم.
أنشأ منظومة أمن، وبنى رجالًا قبل أن يبني مواقع، وجعل الانضباط ثقافةً لا إجراء. كان هيبةً تُطمئن الشرفاء وتقلق العابثين.
ثم جاء يوم الشهادة… يومٌ ختم فيه مسيرته كما بدأها: في المقدمة.
رحل الجسد، وبقي الموقف.
المرحلة الثالثة: بعد الاستشهاد – رسائل تتجاوز الغياب
# _إلى الوطن
الأوطان لا يحميها الكلام، بل الرجال. وقد أثبت أن الوطن يستحق التضحية كاملة غير منقوصة. فكونوا أوفياء كما كان، وثابتين كما عاش.
# _إلى المجتمع
الأمن ليس مهمة مؤسسة وحدها، بل وعي شعب. حافظوا على القيم التي عاش لأجلها: الصدق، النظام، احترام الدولة، ونبذ الفوضى. فالوفاء للشهداء يكون بالسير على خطاهم، لا بالبكاء عليهم.
# _إلى مؤسسته العسكرية
الرتبة شرف، لكنها مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. اجعلوا من سيرته معيارًا للقيادة: حضور في الميدان، عدل في القرار، حزم بلا ظلم، ورحمة بلا ضعف.
# _إلى قيادته وضباطه وأفراده
تذكّروا أن الرجال يُختبرون في اللحظات الصعبة. اثبتوا كما ثبت، وكونوا صخرةً في وجه كل من يحاول زعزعة الأمن أو النيل من الوطن.
# _إلى أسرته
لقد كان لكم سندًا، وكان للوطن درعًا. عزاؤكم أن اسمه صار عنوانًا للأمن، وأن أثره باقٍ في كل طمأنينة يعيشها الناس، وفي كل دعوة صادقة تُرفع له.
رحم الله الشهيد عبدالغني شعلان،
وجعل ذكراه نارًا في وجه الفوضى، ونورًا في دروب الأوفياء،
وسيرته شاهدًا أن القيادة خُلق قبل أن تكون منصبًا،
وأن من عاش ثابتًا… يمضي شهيدًا، ويبقى أثره خالدًا.
بقلم/
العميد – مشعل شعلان
مدير عام شرطة محافظة حجة





