كتابات

المراكز الصيفية الحوثية تلويث للفطرة وهدم للقيم

حجة برس – ✍️الدكتور/ محمد عبدالله ردوه:

 

في زمنٍ تتكاثر فيه الفتن كما تتكاثر سحب الصيف، وتتشابك فيه الدروب حتى يضلّ السائر عن سواء السبيل، يقف الأبوان على ثغرٍ عظيم؛ ثغر الأبناء، حيث تُصاغ العقول، وتُبنى القيم، وتُرسم ملامح المستقبل. وما أعظم الأمانة، وما أثقلها، يوم يُسأل المرء عمّن استُرعي عليهم: أأحسن الرعاية أم فرّط وضيّع؟

 

يقول صلى الله عليه وسلم:(والأب راع في أهله ومسؤول عن رعيته).

أقول وبكل – محبة – مخاطبَا إخواني أولياء أمور الطلاب في مناطق سيطرة عصابة الموت الحوثية :

أيها الآباء، يا من جعل الله في أعناقكم مفاتيح الغد، إن أبناءكم صفحاتٌ بيضاء، تكتب فيها الأيام ما تشاء، فإن تركتموها لكل كاتب، عبثت بها الأهواء، وخطّت عليها الأيدي ما لا يرضي الله ولا يسرّ العقلاء ، ولا يخدم الدين والوطن. وإن من أخطر ما يتهدد هذه الصفحات النقيّة أن تُسلَّم لمن يلوّثها بأفكارٍ منحرفة، أو يملؤها بخطابٍ مشحونٍ بالكراهية والضلال.

 

إن المراكز الحوثية الصيفية التي تُقام تحت شعاراتٍ براقة، وتُرفع فيها لافتاتُ التربية والتعليم، تخفي وراءها مقاصد أخرى؛ تُغذّي التعصب، وتغرس الانغلاق، وتُلقّن الناشئة ما يُباعد بينهم وبين منهج الاعتدال، وروح العلم، وأخلاق الرحمة. فيخرج منها الطفل لا يحمل نور المعرفة، بل يحمل أثقالًا من أفكارٍ مُسيّسة، وقيم ملوثة، وسلوكيات إجرامية، تُصادر عقله قبل أن ينضج، وتُقيّد روحه قبل أن تحلّق.

 

أخي الأب: إن التربية ليست تسليمًا عشوائيًا، ولا ثقةً عمياء، بل هي بصيرةٌ ويقظة، وتمييزٌ بين ما يُصلح وما يُفسد. فليس كل من ادّعى التعليم مُعلّمًا، ولا كل من رفع شعار الهداية هاديًا. فكم من شعارٍ خادع، وكم من دعوةٍ ظاهرها الرحمة وباطنها العطب والهلاك.

 

احذروا أن يُنتزع أبناؤكم من دفء الأسرة إلى برد التوجيه المنحرف، وأن يُغرس في قلوبهم ما يفرّق ولا يجمع، ويُقصي ولا يحتضن. ازرعوا فيهم حبّ العلم الحق، وعلّموهم أن الدين رحمة، وأن الوطن مسؤولية، وأن الإنسان أخٌ للإنسان، لا أداة صراعٍ ولا وقود فتنة.

 

كونوا لهم حصنًا منيعًا، وسورًا واقيًا، ويدًا حانية تُرشد ولا تدلس، وتُعلّم ولا تُضل. افتحوا لهم أبواب المعرفة النقية، والبرامج النافعة، والبيئات التي تُنمّي عقولهم وتُهذّب أخلاقهم، لا التي تُسخّرهم لمآرب ضيقة، وتستخدمهم لتنفيذ أطروحات لسلالة منتفشة، وعصابة متورمة بالأنا واحتقار الآخرين .

 

فالأبناء أمانة، والأمانة دين، والدين مسؤولية، والمسؤولية سؤالٌ بين يدي الله. فطوبى لمن حفظ، وخسرانٌ لمن فرّط.

 

أيها الآباء الكرام: إن الزج بالأبناء وفلذات الأكباد إلى بؤر التعصب، وإلى مستنقعات الإجرام جناية ما مثلها جناية، وجريمة تعصف بمستقبل الأسرة، حين يتخرج ذلك الفتى اليافع من تلك البؤر الموبوءة وقد تلوث فكره، وانحرفت فطرته، وساءت أخلاقه.

 

يتخرج ذلك الابن من تلك المراكز الحوثية المشبوهة مستحلاًّ لدماء أسرته، محتقرًا لأبويه، مزدريًا لأبناء وطنه، متنكرًا لإرثه الديني والحضاري.

 

إن تلك المراكز الخبيثة تغرس في أذهان مرتاديها عقيدة تنافي عقيدة اليمنيين، وتغرس أفكارًا تصادم ما تعايش عليه أبناء البلد الواحد، وترسخ في عقولهم النظيفة نظريات السلالة المتعالية على الناس، المتمثلة في نظريات الولاية والاصطفاء.

 

احذروا – أيها الآباء – أن تُزجّوا بأبنائكم في محاضن الشر، وبؤر التطرف، حيث تُصاغ العقول على غير هدى، وتُحرّف الفطرة عن مسارها، ويُلبَّس الحق بالباطل حتى يختلط، ويُزيَّن الغلوّ في ثوب الغيرة، ويُقدَّم الانحراف على أنه استقامة. هناك، لا يُربَّى الأبناء على العلم الراسخ، بل على الشعارات الجوفاء؛ ولا يُغذَّون بالحكمة، بل يُسقَون التعصّب؛ ولا يُوجَّهون إلى البناء، بل يُدفعون إلى الهدم.

 

إن تلك البيئات المظلمة لا تصنع رجالًا، وإنما تُنتج نفوسًا مضطربة، ترى العالم من ثقبٍ ضيّق، وتفهم الدين فهمًا عنصريًا، وتتعامل مع الحياة بمنطق الصراع لا بمنهج الإصلاح. وما أكثر من دخلها فخرج منها غريبًا عن أهله، قاسيًا على مجتمعه، حادًّا في فكره، لا يعرف للرفق سبيلًا ولا للاعتدال طريقًا.

 

أيها الآباء والأمهات… إن التربية ليست تفويضًا يُسلَّم لكل داعٍ، ولا أمانةً تُلقى في أي يد، بل هي مسؤولية واعية، تحتاج إلى بصيرةٍ في الاختيار، ودقةٍ في المتابعة، وحضورٍ دائمٍ في حياة الأبناء. فاختاروا لهم الصحبة الصالحة، والبيئة النقية، والعلماء الربانيين الذين يجمعون بين الفقه والحكمة، وبين النص وروح النص.

ازرعوا في قلوب أبنائكم الرحمة قبل الحماسة، والعلم قبل الاندفاع، والوعي قبل التلقي الأعمى. علّموهم أن الدين بناءٌ لا هدم، وأن الهداية نورٌ لا نار، وأن القوة الحقّة في ضبط النفس لا في إطلاقها.

 

ولا تغترّوا بالأسماء البراقة، ولا بالشعارات الرنانة؛ فكم من عنوانٍ جميلٍ يخفي وراءه فكرًا سقيمًا، وكم من دعوةٍ ظاهرها النصيحة وباطنها التفريق والفتنة. فكونوا حراسًا لعقول أبنائكم كما أنتم حراسٌ لأجسادهم، بل أشد.

فاحفظوا أبناءكم حفظكم الله، واعلموا أن أبناءكم أعظم مشروع تفاخرون به البشرية، وذلك حين ترونهم في المستقبل حملة مشاعل هداية، وأدلة الركب في مضمار الحضارة.

 

ختامًا… تذكّروا أن الابن إذا انحرف فالألم لا يقف عنده، بل يمتد إلى أسرته ومجتمعه، وربما إلى أجيالٍ من بعده. فسدّوا الأبواب قبل أن تُفتح، وأطفئوا الشرر قبل أن يستعر، وكونوا لأبنائكم ملاذًا آمنًا، لا ممرًّا إلى المجهول.

حفظ الله أبناءكم، وجعلهم قرة أعينٍ لكم، وسلك بهم سبيل الاعتدال، وأبعدهم عن مزالق الغلوّ والانحراف…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى