لا يأس مع المقاومة
✍️ محمد حاجب القاضي:
منذ عام 2015، واليمنيون يخوضون معركة مفتوحة مع جماعة الحوثي، التي تسعى إلى بناء مجد سلالي عنصري على حساب اليمنيين وكرامتهم وحريتهم. لكن اليمنيين، أحفاد سبأ وحمير، يرفضون هذا المشروع، ويقاومون كل محاولات إخضاعهم. فكلما حاولت هذه الجماعة فرض هيمنتها، واجهها الأحرار دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم.
يناضل أحفاد الزبيري والقردعي اليوم، لا طلبًا للمناصب أو الجاه والمكاسب، بل دفاعًا عن كرامتهم وحريتهم، ورفضًا لمشروع يسعى إلى مصادرتها.
لقد قامت فكرة الحوثيين على ادعاء الاصطفاء الإلهي، بما يترتب عليه من تمييز بين اليمنيين؛ فالجماعة تمنح نفسها صفة السيادة والطهر، وتتعامل مع الآخرين باعتبارهم أدنى منزلة، وكأن عليهم التسليم لها والخضوع لسلطتها. ولم يقف الأمر عند ادعاء الحق في الحكم، بل امتد إلى تكريس ثقافة الإذلال، حتى غدا لقب “يا سيدي” في خطابهم مظهرًا من مظاهر فرض التبعية وانتقاص الكرامة.
والشعب لو كان حيًّا ما استخف به
فردٌ ولا عاث فيه الظالم النهم
إن مخاطبة إنسان لآخر بصفة السيادة لا تمنحه حقًا في الاستعلاء عليه، ولا تجعل من الخضوع له واجبًا. فاليمنيون أحرار متساوون في الكرامة والحقوق، ولا يحق لفئة أن تنصّب نفسها سيدة على شعب بأكمله. وما يقاومه اليمنيون اليوم هو مشروع يسعى إلى تحويل هذا الادعاء إلى واقع تفرضه القوة والسلاح.
لذلك، يقاوم أبناء اليمن مشروع التمييز السلالي وادعاء الحق الإلهي في الحكم، مؤكدين أن الشعب هو مصدر السلطة ومالك الحق في اختيار من يحكمه. وفي المقابل، تخوض الجماعة معركتها لفرض امتيازاتها وإخضاع اليمنيين وإجبارهم على قبول واقع يقوم على التمييز والعنصرية.
ومن هنا، فإن مقاومة هذا المشروع ليست معركة لعام أو عشرة أعوام، بل معركة من أجل الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية. فالله سبحانه وتعالى خلق البشر أحرارًا، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. وكما يقول أبناء اليمن:
بالعز والناموس شادخل جهنم
ولا جنة الفردوس بعد المهانة.
وبعد قرابة اثني عشر عامًا من مقاومة هذه الجماعة، نوجّه نداءنا إلى الأحرار في ربوع الوطن: لا يأس مع المقاومة، فإنما النصر صبر ساعة.
فبينما يواصل الأحرار التقدم والتضحية، تتسلل مشاعر اليأس والإحباط إلى بعض النفوس تحت وطأة طول المعركة، وأصوات المرجفين، وتضارب المصالح الإقليمية والدولية في اليمن، التي وظّفت جماعة الحوثي لخدمة أجنداتها.
وتتعالى أصوات تردد عبارات من قبيل: “انتهت الشرعية”، و”الحوثي يتقدم كل يوم”، و”خلاص، كمل أبو الليم”.
ونقول لهؤلاء: إن الشرعية التي يناضل الأحرار من أجلها ليست مجرد أفراد أو مناصب أو مكونات سياسية، بل هي كرامتك وحريتك وحقك في أن تعيش مواطنًا حرًا في وطنك. فالمقاومة دفاع عن الثوابت الوطنية التي يسعى الحوثيون إلى طمسها: الجمهورية، والحرية، والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة.
قد يسيطر الحوثي على جبل هنا أو منطقة هناك، لكنه لن يهزم عزائم الأحرار. وقد يسقط مديرية أو محافظة، لكنه لن ينتزع إرادة اليمنيين في استعادة دولتهم. فالمعارك لا تُحسم بمكاسب ميدانية مؤقتة، ولا تقاس إرادة الشعوب بما تخسره من أرض في مرحلة من مراحل الصراع.
سجّل مكانك في التاريخ يا قلمُ
فها هنا تبعث الأجيال والأممُ
هنا البراكين هبّت من مضاجعها
تطغى وتكتسح الطاغي وتلتهمُ
أيها المحبطون، تذكّروا أن ثورة عام 1948 قامت ضد الحكم الإمامي، ولم يكن لدى الثوار شبر واحد ينطلقون منه لبناء مشروعهم الثوري. ومع ذلك، استمر النضال حتى جاءت ثورة 26 سبتمبر، التي لم يمتلك قادتها جيوشًا جرارة أو أسلحة كافية أو منطقة آمنة ينطلقون منها لمقاومة الحكم الإمامي.
وبعد حصار السبعين يومًا، الذي كاد أن ينهي الثورة، صمد الجمهوريون وانتصر مشروع الجمهورية، لتبقى التجربة شاهدًا على أن قلة الإمكانات وضيق الخيارات لا يعنيان استحالة الانتصار.
إن التاريخ اليمني يعلّمنا أن إرادة الشعوب لا تنكسر بطول الطريق، وأن المشاريع القائمة على الاستبداد والتمييز لا تستطيع إلغاء تطلعات الناس إلى الحرية والكرامة.
فإذا لم يبقَ من اليمن إلا شبر واحد، فستظل الجمهورية أملًا يستحق النضال، وما ذلك على الله بعزيز.





