الاخفاء القسري من زاوية قانونية
✍️المحامي/ علي المطري:
يعد الاختفاء القسري من أخطر الانتهاكات التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، لما ينطوي عليه من حرمان متعمد من الحرية وتجريد، للضحية من حماية القانون، وإخفاء لمصيره ومكان وجوده، فضلا عما يترتب عليه من معاناة بالغة للضحية وأسرته.
وقد أكدت المادة (1) من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تجريم الاختفاء القسري بصورة صريحة، ونصت على عدم جواز التذرع بأي ظرف استثنائي سواء تعلق الأمر بحالة حرب او التهديد باندلاعها او بعدم الاستقرار السياسي الداخلي او بأي حالة استثناء أخرى لتبرير هذه الجريمة او التنصل من المسؤولية عنها.
كما اعتبرت المادة (5) من الاتفاقية ان ممارسة الاختفاء القسري على نطاق واسع او منهجي يعد جريمة ضد الإنسانية، وهذا الحكم يتسق تماما مع حكم المادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي أدرجت الاختفاء القسري للأشخاص ضمن الأفعال التي تشكل جريمة ضد الإنسانية متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، سواء ارتكب من قبل دولة أو منظمة.
ووفقا لأحكام القانون الدولي فإنه لا ينبغي النظر إلى الاختفاء القسري باعتباره مجرد احتجاز سري او حرمان من الحرية لأسباب سياسية، مع رفض الكشف عن مكان الضحية فحسب، فآثاره القانونية والإنسانية أوسع من ذلك بكثير. إذ يشكل حرمانا للشخص من الاتصال بأسرته ومحاميه، ويحول دون خضوعه للرقابة القضائية والقانونية، ويضعه في عزلة تامة عن العالم الخارجي، كما يحرم أسرته من حقها في معرفة مصيره والاطمئنان إلى سلامته وزيارته ومعرفة ظروف احتجازه. وبالتالي فإن معرفة المكان الذي يحتجز فيه الشخص لا تكون ذات قيمة حقيقية إذا كان ذلك المكان خارج نطاق الرقابة القانونية والقضائية، ومغلقا أمام المحامين والناشطين والمنظمات الحقوقية، وفي كل حالة يظل فيها المحتجز محروما من التواصل مع أسرته ومن الضمانات الأساسية التي تكفلها القوانين والمواثيق الدولية.
وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى تعاظم خطورة الاختفاء القسري في الحالات التي يستغل الاخفاء لإنتاج أدلة أو اعترافات ضد الضحية. ولذلك فإن الدعاوى التي يثيرها المخفيون قسريا امام المحاكم والنيابات بشأن تعرضهم للتعذيب او الإكراه لانتزاع اعترافات بأفعال لم يرتكبوها، يجب الا تعامل باعتبارها ادعاءات عابرة تحتاج للدليل، بل يجب على القضاء التحقيق فيها بجدية وترتيب آثارها القانونية.
أما مزعوم المحاضر التي تحررها السلطة التي قامت بإخفاء الشخص قسرا، خلال فترة حرمانه من الضمانات القانونية والرقابة القضائية فإنه لا يجوز التعامل معها أصلا باعتبارها دليلا له حجية لمجرد أنها تحمل صفة الرسمية التي تزعمها الجهة المنتهكة، متى ما ثبتت واقعة الإخفاء ابتداء. فالرسمية لا تعني حصانة المحضر من الرقابة وإنما تفترض ان الجهة التي باشرته جهة مختصة ومشروعة، وأن إجراءاتها تمت وفقا للقانون، وباحترام الحقوق والحريات الأساسية.
فإذا ثبت للمحكمة أن الشخص كان رهن الاختفاء القسري، و ان أقواله او اعترافاته انتزعت خلال تلك الفترة فإن التعويل عليها دون تمحيص جدي لمصدرها وظروف انتزاعها لا يمثل مجرد خطأ في تقدير الدليل، بل قد يتحول إلى انتهاك جديد لحقوق الضحية، وإهدار لحقه في محاكمة عادلة، ويعد طعنة في قلب العدالة ذاتها.
وفي هذا السياق أكدت المادة (1/2) من إعلان الأمم المتحدة بشأن حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري ان أي ظرف استثنائي لا يجوز ان يتخذ ذريعة لتبرير هذه الممارسة، و ان الاختفاء القسري من أخطر الجرائم التي تحرم الإنسان من حماية القانون وتلحق به وبأسرته معاناة شديدة وتنتهك جملة من الحقوق الأساسية يأتي في مقدمتها الحق في الاعتراف بالشخصية القانونية، والحق في الحرية والأمن، والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فضلا عن تهديده الخطير للحق في الحياة.
كما أن نظام روما الأساسي أدخل الجرائم ضد الإنسانية ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ومن بينها وقائع الاختفاء القسري، كما أكدت اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية عدم سريان التقادم على الجرائم ضد الإنسانية، بما يعكس خطورتها وطبيعتها التي لا ينبغي التسامح بشأنها مع مرور الزمن وعدم السماح لمرتكبيها بالإفلات من العقاب مهما طال الزمن…




