كتابات

الإصلاح ودوره في المعركة الوطنية

✍️ محمد عبدالله ردوه:

 

في المنعطفات الكبرى من تاريخ الأمم، لا تُقاس الأحزاب بما تقوله في أوقات السعة، وإنما بما تقدمه حين تضيق السبل، وتشتد المحن، وتصبح الدولة نفسها موضع اختبار. وفي اليمن اليوم، حيث تتقاطع معركة استعادة الدولة مع معارك الأمن والاستقرار والسيادة والهوية الوطنية، يجد كل مكوّن سياسي نفسه أمام سؤال لا مهرب منه: أين يقف من قضية الوطن؟ وماذا يقدم لليمن في هذه اللحظة الفارقة؟

 

وفي هذا السياق يحضر التجمع اليمني للإصلاح بوصفه واحداً من أهم المكونات السياسية اليمنية ذات الحضور التاريخي والاجتماعي، وقد وجد نفسه، شأنه شأن غيره من القوى الوطنية، أمام واقع استثنائي فرضه الانقلاب الحوثي على النهج الديمقراطي.

 

وليس من الإنصاف أن يُختزل حضور الإصلاح في صورة حزبية ضيقة، فالأحزاب، مهما علا شأنها، تظل عملاً بشرياً يصيب ويخطئ، ويجتهد ويقصر، وتُقاس قيمتها الحقيقية بمدى قدرتها على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية.

لقد كان التحدي الأكبر أمام القوى السياسية اليمنية هو الانتقال من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف تُستعاد الدولة؟

 

وهنا تكمن مسؤولية الإصلاح وغيره من الأحزاب الوطنية؛ فالمعركة الوطنية ليست معركة حزب كي يرث السلطة، وإنما معركة وطن كي يستعيد مؤسساته.

وليس المطلوب أن تنتصر جماعة على جماعة، وإنما أن تنتصر الدولة على الفوضى، والقانون على القوة المنفلتة، والمواطنة على الامتياز، والإرادة اليمنية على كل أشكال الوصاية والارتهان.

 

ومن هذا المنظور، فإن الدور الوطني للإصلاح ينبغي أن يُقرأ في ضوء ما يستطيع أن يقدمه في المجال السياسي والاجتماعي والتوعوي، وفي قدرته على الإسهام في توحيد الصفوف، ودعم مؤسسات الدولة، ومساندة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في إطار الشرعية والقانون، والمشاركة في بناء خطاب وطني جامع يضع اليمن فوق الانتماءات الحزبية والمناطقية.

 

ولعل من أهم ما تحتاجه المرحلة الراهنة أن تتحول الأحزاب من مجرد قوى تتنافس على النفوذ إلى قوى تتنافس في خدمة الوطن.

والإصلاح، بما له من قاعدة اجتماعية وسياسية، استطاع أن يؤدي دوراً مهماً في هذا الاتجاه؛ إذ جعل من مشروع الدولة غايته العليا، ومن التعدد السياسي وسيلةً للتكامل لا سبباً للصراع.

 

معركة أخرى

كما أن المعركة الوطنية لا تُحسم بالبندقية وحدها؛ فهناك معركة وعي لا تقل خطورة عن معركة الميدان. فالانقلاب على الدولة يبدأ أحياناً من الانقلاب على وعي الإنسان، حين يُقنع المواطن بأن الجماعة فوق الوطن، أو أن الطاعة العمياء فوق القانون، أو أن الحق يُكتسب بالقوة لا بالمواطنة.

 

ومن هنا استطاع الإصلاح أن يقدم إسهاماً مهماً في مقاومة ثقافة الاستعباد السياسي والفكري، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية، واحترام التعدد، والاحتكام إلى المؤسسات، وظل خطابه السياسي مفتوحاً على جميع اليمنيين.

 

إن اليمن اليوم لا يحتمل أن تكون الأحزاب جزرًا متباعدة، ولا أن تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات وطنية. وقد قدم الإصلاح نموذجاً في النقد الذاتي والمراجعة والتواضع السياسي؛ فالقوة الحقيقية للحزب ليست في أن يعتقد أنه لا يخطئ، وإنما في أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ وتصحيحه.

 

وهنا ينبغي أن نقول بوضوح: إن الثقة بالحزب أو التحفظ عليه ليست مسألة عاطفية، وإنما هي نتيجة طبيعية لتقييم المواقف والممارسات. ومن حق المواطن أن يسأل، ومن حق المثقف أن ينتقد، ومن حق الشريك السياسي أن يختلف. بل إن النقد الصادق قد يكون أحياناً أكثر وفاءً للوطن من التصفيق المجاني.

 

مشروع الدولة

يظهر الإصلاح اليوم الأكثر التزاماً بمشروع الدولة؛ وقد جعله ذلك الالتزام جديرًا بثقة الآخرين ، بسبب مواقفه الوطنية، ونهجه الوطني القائم على القبول بالآخر.

 

وقد كان الإصلاح ملتزمًا بجملة من الثوابت التي من أهمها: وحدة الدولة، سيادة القانون، استقلال القرار الوطني، احترام التعددية السياسية، التداول السلمي للسلطة، رفض العنف السياسي، صيانة الحقوق والحريات، وعدم احتكار الحقيقة أو الوطن.

 

إن المعركة الوطنية الحقيقية تقتضي أن تتلاقى الأيدي المختلفة حول هدف واحد: استعادة الدولة، وبناء مؤسساتها، وإنهاء الانقلاب، وتجفيف منابع الفوضى، وإعادة الاعتبار للقانون، وفتح الطريق أمام حياة سياسية طبيعية يتنافس فيها اليمنيون بالصندوق والبرنامج والكفاءة، لا بالسلاح والغلبة.

 

إن اليمنيين لا يريدون دولةً تُستبدل فيها يدٌ بيد، ولا سلطةً يتغير فيها المستبد ويبقى الاستبداد؛ وإنما يريدون دولةً تعلو فيها راية القانون على رايات جماعات العنف والتطرف، ويعلو فيها الوطن على المصالح الضيقة، ويعلو فيها الإنسان على أدوات القهر.

 

والتاريخ لا يخلّد الأحزاب لأنها امتلكت النفوذ، وإنما يخلّدها حين استطاعت أن تجعل من نفوذها جسراً يعبر عليه الوطن إلى بر الأمان.

 

تحية من الأعماق لهذا الحزب العملاق في ذكرى تأسيسه السادسة والثلاثين، ومزيدًا من العطاء والمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية رغم رياحها الهوج، ومناخاتها المتقلبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى