كتابات

عن الشهيد علي العميسي

محمد العميسي:

في مثل هذه الأيام، لا أستطيع أن أستعيد ذكرياتي دون أن يمر طيف أخي الشهيد علي أحمد العميسي. وُلد علي في قريتنا النائية في ريف محافظة حجة مديرية وضرة، ليكون الإبن البار، والأخ الحنون، والقدوة لنا جميعًا. نشأ بيننا بسيطًا متواضعًا، لكنه كان يحمل قلبًا كبيرًا وأحلامًا أعظم من عمره.

كبر أخي علي بين دفاتر المدرسة وحقول القرية. درس في مدرسة النجاح بعزّان الأساسية ومدرسة الفتح الثانوية – مديرية وضُرة محافظة حجة، ثم واصل تعليمه في مدرسة الفتح. كنت ألمح فيه دائمًا شغفًا لا يهدأ، وإصرارًا على أن يكون شيئًا مختلفًا. لم يكن مثل بقية أقرانه؛ كان يحمل همًّا أكبر من عمره.

في فترة دراسته الثانوية، شدّ رحاله إلى دور القرآن زالعلم الشرعي. التحق أولًا بـ دار القدس في عمران، وهناك بدأ رحلته مع القرآن الكريم، لكنه لم يكمل بسبب الحرب واقتحام الميليشيات للمدينة. لم يستسلم، بل انتقل إلى دار الإيمان بمحافظة حجة، وهناك أتمّ حفظ كتاب الله، ليملأ صدره بالنور. كنت أرى فرحته كلما ختم جزءًا جديدًا، وكأن قلبه يطير من البهجة.

مع اندلاع الحرب عام 2015، لم يتردد علي لحظة واحدة في الالتحاق بـ الجيش الوطني. ترك دفء البيت، وتركنا نحن أهله، ليقف في جبهات القتال. شارك في معارك الجوف، نهم، وصرواح، وكان شجاعًا ثابتًا كالجبل.
في إحدى معاركه بالجوف، فُقدت أخباره لأيام طويلة. عشنا خلالها قلقًا لا يوصف، حتى علمنا أنه أُسر على يد الميليشيا الحوثية ونُقل إلى سجون الأمن السياسي في حجة. شهر كامل ذقنا فيه مرارة الانتظار، لكنه خرج إلينا مرفوع الرأس. لم يسترح طويلًا بيننا؛ كان قلبه معلّقًا بالجبهات.

في أواخر 2017، كان أبي يستعد لإقامة زفافه. كنا ننتظر أن نراه عريسًا بيننا، لكنه كان يرى أن زفافه الحقيقي في الجنة أتذكر كلماته لأبي قبل أن يغادر: “هل أنت راضٍ عني يا أبي؟”، كانت كلماته وداعًا خفيًا لم نفهمه حينها.
و في اليوم التالي ، في صباح الجمعة 29 سبتمبر 2017، جاءنا الخبر الذي هزّ قلوبنا: ارتقى علي شهيدًا مجيدًا في جبل هيلان. رحل أخي مقبلًا غير مدبر، تاركًا في قلوبنا وجعًا لا يزول، وفخرًا لا ينطفئ.

أخي علي لم يكن مجرد جندي أو حافظ للقرآن، كان روحًا كبيرة، كان ابتسامة لا تفارقنا، وكان حكاية بطولية سأظل أرويها ما حييت. رحل عن أعيننا، لكنه باقٍ في قلوبنا، باقٍ في دعائنا، وباقٍ في ذاكرة كل من عرفه.

سلام عليك يا علي، سلام على روحك الطاهرة، وسلام على دمك الذي ارتوى به تراب الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى